فِهْم الفَقْرِ وفَقْرُ الفِهْم

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

رغم أن الفقر، هو أحد العناوين المهمة التى انشغلت بها الحكومات المصرية المتعاقبة، إلا أن نتائج مكافحته لم تحقق المطلوب، ومازال فى بلادنا، وفقا لآخر الإحصاءات (إحصاء ٢٠١١) فقر مدقع، وهم هؤلاء المساكين الذين يعيشون تحت أدنى خطوط الفقر المعروف بخط الطعام، أى أنهم لا يجدون قوت يومهم بالمعنى الحرفى للكلمة، وقد قدرت الإحصاءات نسبتهم بأكثر من ٤٪ من إجمالى عدد المواطنين، وهو أمر بالغ القسوة، رغم أن هذه النسبة تراجعت إلى حد ما، كانت قد وصلت إلى أكثر من ٦٪ وفقا لإحصاءات العام (٢٠٠٦)، ومع ذلك تبدو فكرة أن هناك من لا يجد قوت يومه فكرة شديدة الألم فى دولة كبيرة مثل مصر، خاصة أن معدلات الفقر فيها ترتفع بشكل مطرد، فوفقا لآخر بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فإن ربع الشعب المصرى من الفقراء، وأن هذه النسبة (٢٥.٢٪) مرشحة للزيادة فى الأعوام المقبلة، إذا لم تتحرك معدلات النمو للإمام، وهو الأمر الذى يبدو شديد الصعوبة وفقا للحالة الاقتصادية التى تشهدها البلاد منذ ثورة يناير ٢٠١١، والتى يرجعها الخبراء لحالة عدم الاستقرار السياسى.

فى البحث المهم الذى يجريه الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، والذى من المفترض أن يظهر فى العام ٢٠١٥، نكتشف أن فى مقدمة أسباب الفقر تكلفة أسعار السلع الغذائية التى تلتهم ما يقرب من ٤٠٪ من دخل الأسر الفقيرة، وهى نسبة ضخمة قياسا بالنسب العالمية، وهذا يرجع من دون لف أو دوران إلى أننا نستورد ما يقرب من نصف احتياجاتنا من الغذاء، وهو الأمر المستمر، ويكفى أن نشير إلى أن اللحوم وحدها تحتاج إلى ما يقرب من ٣٠٪ من ميزانية الغذاء الشهرية، وفى ظل حالات التضخم المرتفعة التى يشهدها الاقتصاد المصرى حاليا، فإنه من المتوقع أن يغادر الكثير من الفقراء مناطق الفقر العادى ويرحلون إلى مناطق الفقر المدقع، كما أن مواطنين آخرين سيتعرفون على الفقر لأول مرة، وما يبدو لنا حتى هذه اللحظات، أن الحكومة الحالية لا تملك من الأمر شيئا وهى ترى الفقر يتزايد، خاصة أن معدلات الإنتاج تنخفض يوما بعد آخر، وغالبية القطاعات فى تراجعات حادة، باستثناء قطاع الزراعة، وكل ذلك يعنى أنه لا توجد حلول ممكنة فى الآجال القصيرة أو على المدى القريب.

الجانب الآخر من الأزمة، واضح وجلى، حيث بلغت نسبة الذين لا يتلقون تعليما جيدا يؤهلهم للعمل ٨٦٪، رغم أن أسرهم ينفقون ما يقرب من ٥٤٪ على الدروس الخصوصية فقط، وهو تعليم لا يمنح فرص عمل، ويذهب بأبناء هذا التعليم إلى قوائم العاطلين، أو إلى أعمال غير منتظمة وذات دخول منخفضة، أى سيستمرون فى الدوران داخل دوائر الفقر الجهنمية، وهو ما يعنى أيضا، أن لا أحد يتحرك لمكافحة الفقر فى الآجال الطويلة أو على المدى البعيد، إذاً نحن نرى المزيد من الفقر قادم علينا ولا نحرك ساكنا.

الثورة قامت من أجل هؤلاء، أو هكذا قال الثوار والساسة، وأن التغيير قادم لانتشال الفقراء من فقرهم، ومنذ ثورة يوليو ١٩٥٢، والأنظمة ترفع شعار القضاء على الفقر، وما عشناه حتى الآن، أن الفقر هو الذى يقضى على الأنظمة، وسيظل يقضى عليها، وأن الشعوب عندما تطلب الحرية والديمقراطية، فإنها تطلبها لأن هناك من قال لهم إن الأنظمة تسرقهم، وإن هذه السرقات لن يوقفها غير الحرية والديمقراطية.. وهكذا قال مرسى وأقنعنا ان مصر بدون فساد دولة غنية والثراء قادم للجميع، لكن الناس لم تجد سوى المزيد من الفقر.. الواضح أن الناس تفهم وتعرف جيدا سبب فقرها، فهل تبدأ الأنظمة فى الفهم، حتى تقضى على الفقر حقا، وتتخلص من فقرها فى فهم ما يطلبه الشعب الذى لن يرضى بفقر أكثر من ذلك.


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.