.
.
.
.

قوارب الموت والثورة

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

ألف يوم مرت وعبرت علينا منذ اندلاع ثورة يناير، ومازال آلاف الشباب يحلمون بالعبور نحو الشاطئ الآخر، يغامرون بأرواحهم للهروب من بلد ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بالرغم من أن صحف الصباح تفاجئنا كل يوم بالإعلان عن ضحايا جدد لما تسميه الهجرة غير الشرعية.. يموت شباب، وفى ذات اللحظة يفعل غيرهم ذات الفعل وهم يدركون جيدا أنهم فى الغالب ذاهبون فى رحلتهم الأخيرة، ماذا يجدون على الشاطئ الآخر يستحق هذه المغامرة والمقامرة بالحياة نفسها، أو بصيغة أخرى (أدق وأقرب إلى الحقيقة) ماذا يجدون فى بلادهم يدفعهم لاختيار المغامرة المميتة المتوحشة فى ظلام بحار شرسة وأمواج قاتلة.

والمذهل أن الناجين من الليل والبحر، السعداء المحظوظين، ينتظرون احتضان الشاطئ الآخر من أجل الراحة فى سجون دولته، بعدما يتخلصون من جوازات سفرهم، ويرفضون الكشف عن هوياتهم، بحثا عن لحظة، ستأتى بعد سنوات، بالتخلص من السجن والعيش كلاجئ فى دولة يجهلها ويجهل لغتها، ويهاب العيش فيها أصلا، فهل أصبحت بلاد الثورة باردة طاردة لشبابها، هل خانتهم الثورة فعلا وتخلت عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، هل فعلا هذه البلاد لا تمنح الأمل ــ أى أمل ــ لمن يعيشون على أرضها، هل توقف أى مسئول فى هذه البلاد ليسأل نفسه ومن حوله: لماذا يهرب شباب من حريتهم فى بلادهم، إلى سجون وقضبان فى بلدان أخرى؟.

فى عام ١٩٩٠، حينما اجتاح صدام حسين الكويت، غادر مصريون بلدهم الثانى الذى تم غزوه فجأة، كنا كصحفيين ننتظر هؤلاء العائدين فى ميناء نويبع، لنرصد قصص وحكايات الهروب من جيش صدام ولنكتب أهوال رحلة الفكاك من الموت.. على رصيف الميناء شاهدت وسمعت بنفسى مصريين قرروا العودة مجددا للبلد الذى غزاه صدام، بعد معاناة وعذابات وجحيم فى ميناء بلدهم، أى انهم اختاروا العودة لطريق الأهوال، والعيش فى بلد تحت وطأة غزو، ولا يعودون للأمان والحرية فى بلادهم (بعضهم عاد على نفس العبارة إلى ميناء العقبة ولم يغادر ميناء نويبع أصلا). هذا المشهد كان قبل ٢٣ عاما، لكنه يكشف أن ما يفعله المغامرون بحياتهم بالرحيل عبر قوارب الموت، سبقهم إليه إخوة كانوا أفضل حالا.

قد تبدو هذه النوعية من الحكايات، كبلاغة ضرورية، تعشقها الصحافة، وتتصيدها الكتابة، كما قال لنا المسئولون فى الحكومة وقتها، لكن لو كانت الحكومة قد توقفت عند هذه الحكايات، وسألت وتقصت: لماذا يهرب هؤلاء من البلد الذى يحكمونه، ربما عثروا على الأسباب، وربما كانوا قد بدأوا التغيير الذى كان سيمنع ــ حتما ــ من يركبون بحار الموت الآن من ارتكاب فعلتهم المجنونة.

وأعتقد أن ألف يوم ثورة تكفى لأن تقنع من يقود البلاد الآن، بالبحث عن الأسباب التى تدفع الشباب للهروب من الوطن، وأعتقد أيضا، أن علينا جميعا أن نسأل: لماذا لم تنجح الألف يوم من الثورة فى منع هؤلاء الشباب من مغادرتنا بقوارب الموت إلى الشواطئ المجهولة؟ ولماذا لم تمنحهم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟ إن كل شاب يحمل ٨٠ ألف جنيه فى حافظة نقوده ويحمل روحه على كفه ويضعهما على حافة قارب من قوارب الموت يعلن أن قارب الثورة ضل طريق شواطئ الأمل والمستقبل، ورغم الألف يوم التى مرت وعبرت لم تعبر مصر من أى شىء إلى أى شىء، سوى المجهول.. لكن ــ فيما يبدو ــ أن مجهول شواطئ الوطن أشد وطأة من مجهول شواطئ السجون على الناحية الأخرى.


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.