.
.
.
.

الصورة الأخيرة

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

فى تدفقه المتواصل يذهب الزمان بملايين الكتب وبلايين الوجوه التى مرت على الدنيا، ومعها كل الصور، التى تجلت للعيون فى لحظات المسرات والأوجاع، لكن الناس ليس بوسعهم أن ينسوا أو يهملوا صورا خاطفة، لم يأت اختطافها، ولن يأتى على عمقها وأصالتها وديمومتها واختزالها لكلمات لا حد لها.

وكثير من الشخصيات البارزة فى تاريخ الإنسانية ساهمت الصورة الأخيرة فى صناعة مآثرهم، أو أضافت إليهم، أو خففت من غلواء نقدهم وجلدهم، وغفرت لهم بعض أخطائهم وخطاياهم، وربما لو انتهت حياتهم من دون هذه الصورة الفارقة لنقص الكثير من قدرهم، ودورهم التاريخى المشهود له، ولما جنوا من حياتهم المديدة سوى اللعنات القاسية.

فالصورة الأخيرة للثائر الأرجنتينى تشى جيفارا ساهمت فى تخليد ذكراه، لما انطوت عليه من تحدٍ كبير لمن قتلوه، ولما رمت إليه من نظرة إلى البعيد، كأنها تقول إن ما أؤمن به سيظل قائما، والثورة ضد الإمبريالية لن تنقضى بموتى، والثوار باقون ما دام هناك ظلم واستغلال، ولم تدر المخابرات الأمريكية أن هذه الصورة، التى سربتها لتلقى الروع فى قلوب كل من يؤمن بأفكار جيفارا ستؤدى إلى نتيجة مغايرة تماما، وأن عينيه المنبلجتين فى موت محقق ستصبح أيقونة لعشرات الملايين فى العالم، وستجعل من صاحبها لوحة خالدة على جدران بيوت ومنازل فى القارات الست.

والصورة الأخيرة لياسر عرفات اختزلت كل فصول حياته المترعة بالشقاء والكفاح. فالرجل ظهر هزيلا متآكلا، وهو يصعد سلم الطائرة الأردنية، التى أقلته إلى عمان، ومنها إلى باريس، حيث فاضت روحه. كان متعبا إلى أقصى حد، وقبل أن يدلف إلى داخل الطائرة، التفت ولوح لمودعيه بيد مرتعشة، لكن بعينين مملوءتين بالأمل والثقة، وبدا ثيابه وغطاء رأسه الرمادى وكأنهما تعبير عن المرحلة، التى وصلت إليها القضية الفلسطينية، إذ رحل عرفات والفلسطينيون فى منتصف الطريق.

ولو مات صدام حسين من دون مشهد إعدامه، الذى تسرب إلى الفضائيات فنقلته للبشرية جمعاء لكان قد خسر الكثير. فصدام الطاغية الذى حكم بلاده بالحديد والنار، واستعذب مشاهد الدم فى قتل خصومه ومعاركه الخاسرة، وجد من يذرف عليه بعض الدموع، لأنه رحل واقفا كما يرحل النخل، لم ينحن أمام المشنقة، ورفض أن تُغمّى عيناه، ومضى إلى مثواه الأخير ثابتا، لم يجرجر قدميه، أو يترحم مثلما يفعل الذين يساقون إلى المشانق، ثم نطق بالشهادتين، وسقط إلى نهايته المحتومة.

وقبل صدام رفض ذو الفقار على بوتو أن يعتذر للجنرال ضياء الحق، الذى انقلب عليه، واقتنص منه حكم باكستان، وقال للذين ذهبوا إليه برسالة من الرئيس الجديد يطالبه بالاعتذار مقابل أن يظل على قيد الحياة: «سأحكم باكستان من قبرى»، وتحققت نبوءته حين أصبحت ابنته «بى نظير» رئيسة للوزراء. وذهب شكرى مصطفى أمير ما تسمى «جماعة المؤمنين» المعروفة أمنيا وإعلاميا بـ«التكفير والهجرة» إلى المشنقة ثابتا.

والصورة الأخيرة للمفكر الكبير الدكتور عبدالوهاب المسيرى قد عززت الصورة الذهنية الإيجابية عنه، التى قامت على أكتاف مؤلفاته العميقة، فالمسيرى كمفكر كان محل إعجاب شديد، لكنه آثر فى نهاية حياته أن ينزل إلى الشارع، ويهجر غرفة مكتبه، التى شهدت ميلاد الأفكار، وإعداد الأبحاث والموسوعات المطولة، ليشارك المصريين احتجاجهم على أداء السلطة، ومطالبتهم بالإصلاح، وقرار المسيرى المشاركة فى الاحتجاج من خلال قبوله قيادة حركة «كفاية» لمدة عام تقريبا هو الذى أدى إلى ظهور الصورة الأخيرة فى حياته، وكانت مؤثرة فى نفوس وعقول كثيرين. فقد بدا الرجل الذى هده مرض عضال، وهو يكاد يسقط على وجهه، بينما كانت مجموعة من رجال الشرطة ترتدى الزى المدنى يدفعونه إلى الأمام، وأنصاره ومحبوه يدفعون أيدى الشرطة عنه، ويحمونه بأيديهم فى الوقت نفسه. كان المسيرى مقوس الظهر، وبذلته متهدلة، ونظارته متدلية عن مكانها قليلا، وشعره مهوشا، وملامحه يكسوها الأسى، لكنه بدا عازما على التمسك بموقعه داخل المظاهرة المحدودة، وتوالت الصور.

وكانت الصورة الأخيرة للرئيس المصرى أنور السادات حافلة بالعبر، حيث ظهر وهو ملقى بين مقاعد «المنصة» الرئيسية والدم يسيل من رأسه، ويلطخ النياشين، التى تكلل صدره. فهذه الصورة بقدر ما تبين نهاية غطرسة السلطة، فإنها توضح بجلاء غدر الجماعات المتطرفة، التى اقترب منها السادات، وعزز وجودها، وهناك صورة الديكتاتور الرومانى نيقولاى شاوشيسكو، وهو ملقى على الأرض بعد إعدامه رميا بالرصاص، التى لخصت نهاية كل مستبد ظالم يستعبد شعبه ويستهين به.

إن الصورة الأخيرة قد تصنع رجلا، أو تغفر لآخر خطاياه، وقد تصير أيقونة ورمزا لكفاح بعض الآدميين، وانتصارهم على الشدائد، وإصرارهم على حفر دور بارز فى مسيرة الإنسانية المفعمة بالأفراح والأتراح، كما أنها قد تعرى رجلا وتفضحه وتحط منه إلى الأبد.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.