.
.
.
.

صراعات الداخل حين تنتقل إلى الخارج

عمرو حمزاوي

نشر في: آخر تحديث:

نعود إلى البدايات: إذا كانت جاذبية التنظيم الديمقراطى حين يستقر ويضمن الحقوق والحريات تمتد إلى مواطنات ومواطنى الدولة والمجتمع المعنيين المقيمين داخل حدودها وإلى الجاليات فى الخارج، فإن تراجع الديمقراطية أو غيابها يؤثر بالسلب على المواطن فى الداخل محدثا به الكثير من التشوهات (كما تناولت فى مقالات الأيام الماضية) وعلى الجاليات الخارجية التى تنقل إليها صراعات الداخل السياسية ويباعد بينها وبين الاهتمام الإيجابى بالوطن والسعى إلى الإسهام فى تقدمه.

وبالنظر إلى الحالة المصرية الراهنة ومن خلال متابعة أحوال الجاليات المصرية فى أوروبا، بت أشعر بأن الإيجابية التى اتسم بها فعل الكثير من المصريات والمصريين فى بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى فى أعقاب ثورة يناير ٢٠١١، ودفعتهم إما إلى الإسهام التنموى فى مصر أو إلى المطالبة المحقة بالمشاركة فى الانتخابات كناخبين والحصول على تمثيل مناسب فى المجالس التشريعية أو إلى العودة إلى الوطن «الأم» والانخراط بفعالياته، تمر اليوم بلحظة تراجع شديدة ويحل محل هذه الإيجابية وضعية صراعية مرتبطة بالتنازع بشأن ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ وتدخل الجيش فى السياسة ومن قبلها بالمواقف المختلفة من جماعة الإخوان ودورها السياسى والمجتمعى.

والمؤسف حقا هو أن الوضعية الصراعية داخل الجاليات المصرية، وبجانب صرفها لاهتمام المصريات والمصريين بعيدا عن الإسهام التنموى والفاعلية السياسية، بدأت تهدد بإفساد الكثير من أنماط وأشكال التواصل الفكرية والثقافية بينهم وبين مصر. يحاضر أدباء أو كتاب أو باحثون مصريون فى الخارج الأوروبى أو يذهبون فى مهرجانات فنية ويشاهدون، أحيانا على نحو مأساوى وغير إنسانى، تداعيات الصراعات على تعامل بعض الحضور المصرى معهم.

يحاضر المصريون فى لندن وباريس وبرلين ويرون مصريات ومصريين يصنفون سياسيا ويعزفون عن الحوار الحقيقى ويمارسون أحيانا ببشاعة العنف اللفظى عوضا عن النقد الموضوعى، بل ويتورط نفر منهم فى عنف مادى.

وبجانب التداعيات الشخصية السلبية، على من يطالهم العنف اللفظى أو المادى، يتبلور أيضا مناخ سلبى طارد يدفع بالفنانين والأدباء والكتاب والباحثين المصريين بعيدا عن التواصل مع جاليات الخارج. ويفاقم من المناخ الطارد التعامل السياسى والإعلامى مع الأنشطة المصرية فى الخارج التى تتحول إلى صراعات ومواجهات بين مؤيدى ومعارضى ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، صراعات ومواجهات تذهب بفرص الموضوعية والحوار الجاد وتحيد تماما الأفكار الإيجابية التى من شأن الجاليات المصرية المقيمة فى دول ومجتمعات متقدمة وديمقراطية وتوافقية أن تدفع بها إلى الواجهة عندما تناقش الأوضاع المصرية.

وفى مثل هذا المناخ الطارد والمؤلم، حالفنى الحظ يوم الثلاثاء الماضى حين حاضرت مرتين فى العاصمة النمساوية فيينا، فى الأكاديمية الدبلوماسية ومنتدى برونو كرايسكى، فلم يقابلنى رافضون أو مؤيدون لمواقفى فى مطار فيينا عند الوصول، ولم يمارس ضدى لا العنف اللفظى ولا المادى خلال المحاضرتين، ولم يبتعد الحوار مع الحضور من المصريين عن توجيه بعض النقد لى من قبل بعض مؤيدى ترتيبات ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ ومن قبل بعض الإخوان المعارضين لها بينما تعاطف مع مواقفى الكثير من الشباب الطلاب المصريين فى النمسا. ولم يعكر صفو الزيارة القصيرة إلا محاولة بائسة من قبل نفر قليل للترويج لشائعات مشابهة لشائعات المتورطين الجدد فى تشويه الوعى العام من قبيل الإفك المعتاد عن الخلايا الإخوانية النائمة والطابور الخامس.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.