.
.
.
.

حقائق صالحة لإثارة الدهشة

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

أصعب ما يمكن أن يقوم به أى مراقب الآن، هو التفتيش عن الحقائق وسط ركام من أحداث لا تنتهى، خاصة أن غالبية هذه الحقائق تم طمسها بما يشبه العمد، ثم يعاد استعمالها فى غير مواضعها، أو إعادة استخدامها بما يفيد مستخدميها، بغض النظر عن الحقيقة التى انتهكت، هذا حدث، ومازال يحدث، دون أن يطل علينا أحد لتصحيح وضع أو لتصويب معلومة، وكأن الجميع قد استعذب حالة التزييف الجماعى التى يعيشها الرأى العام، وقد صاحب تزييف الحقائق وتزويرها، إهدار حقوق من كانوا وراء صنع بعض هذه الحقائق، وربما كان تزييف الحقائق أصلا، يهدف إلى إجلاء تيارات ومجموعات كانت تهدف لحماية الحقائق التى ظهرت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، بما فى ذلك الرطانة التى لم تتوقف عن حق الشهداء والقصاص لهم، وكل ما جنيناه من ذلك المزيد من الشهداء لندخل فى دائرة جهنمية لا ندرى متى نتخلص منها، خاصة أنها دائرة محاطة بقداسة ونبل شهداء ضحوا بحياتهم من أجل أن تكون بلادهم أفضل.
فى مقدمة قلب الحقائق وتزييفها، ما يردده فريق كبير، بأن من أفضال مرسى أنه أول رئيس منتخب، أنه منتخب هذه حقيقة لا جدال فيها، لكن الحقيقة الأهم أن مرسى وجماعته ليسوا أصحاب الفضل فى ذلك، هو تم انتخابه بفضل من ثاروا فى ٢٥ يناير، بينما كان مرسى وجماعته يرفضون المشاركة الواضحة والصريحة، وأن هذه الثورة هى التى مكنت من الإطاحة بالرئيس الأسبق ونظامه، ومهدت الطريق لمسار ديمقراطى، وحينما خرج الشباب، ليطالبوا المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتعجيل بإجراء الانتخابات الرئاسية، كان الإخوان يخونون الشباب فى تلك المظاهرات، ويجرمونهم ولم يشاركوهم أو يدافعوا عنهم، بل قال الدكتور عصام العريان قولته الشهيرة، بأن الاخوان ضد ذلك وأنهم يحترمون الجيش ويقدرونه وسيظلون كذلك لأن يقضى الله أمرا كان مفعولا، هذه هى الحقائق الصالحة بحق لإثارة الدهشة، فالفضل فى إجراء الانتخابات يرجع فى المرتين لشباب الثورة، الذين تم استهدافهم بعد ذلك، وكأن هناك من يريد طمس هذه الحقيقة الناصعة.
فى السياق ذاته، تردد الجماعة وأنصارها، أن مرسى هو صاحب أول انتخابات نزيهة فى تاريخ مصر، وإذا اعتبرناها كذلك، فلا يمكن أبدا أن يكون الفضل للذى فاز فيها، وإنما من أدارها، والشجاعة هنا تقتضى أن نقول إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو صاحب الفضل فى ذلك، حتى لو كنا قد انتقدنا جل ممارساته، فهذه حقائق هامة يجب عدم تزويرها، لأن الجيش الذى يغتاله البعض حاليا، هو الجيش ذاته الذى أشرف على الانتخابات النزيهة ومنح مرسى شرف رئاسة مصر، وسلم له حكم البلاد، فالذى يريد أن يتحدث عن الانتخابات الرئاسية ونزاهتها، يجب أن يتحدث عن الثورة والثوار والجيش أيضا، وسواء أحببنا هذه الحقائق أو كرهناها، هذه هى الحقائق، وإغفالها عن الرأى العام جريمة فى حد ذاتها، أيضا كان كل الذين شاركوا فى انتخابات مجلس الشعب يعلمون جيدا أن القانون الذى شاركوا فى وضعه، هو قانون غير دستورى، وأن هذا المجلس سيطعن عليه، وأن المحكمة الدستورية ستحله، وكل ذلك مكتوب وموثق، وبالرغم من كل هذا حينما تم حل المجلس صرخوا: خيانة، رغم أن الحقيقة الدامغة التى يعرفوها قبل الجميع أنهم وضعوا قانونا فاسدا، وتواطأت جميع التيارات لتمريره.. فعلا الحقائق القديمة مازالت صالحة لإثارة الدهشة.

*نقلاً عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.