.
.
.
.

احتراق ورقة طلاب "الإخوان"

أمينة أبو شهاب

نشر في: آخر تحديث:

التصويت على الدستور هو مرحلة أخرى فاصلة ومنعطف حاسم في صراع الدولة المصرية (والمجتمع كذلك) مع "الإخوان" الذين أصبح تكتيك إفشالهم له أكثر من واضح . مظاهرات الشارع الطلابي الإخواني وعنفه لم تكن إلا الوسيلة الأكثر فاعلية في تصورهم لإدماء الدولة واستنزافها وسلبها رصيدها الشعبي بتوريطها بكل خبث وتعمد في القمع، وذلك طوال الأشهر الأخيرة التي تسبق الاستفتاء .

ورقة الطلاب التي أخرجها الإخوان من تحت عباءتهم وفاجأوا الجميع بلعبهم بها هي مما يحسب لهم بحسن استثمارهم لرصيدهم الأهم وهو الجيل ومجال التربية والتعليم الذي هو محل تركيزهم الأول .

ليست مدارس الإخوان وحدها هي المسؤولة عن ضخ هؤلاء الطلاب إلى الجامعات، بل مدارس الدولة كذلك بطاقمها من المعلمين والتربويين هي رافد آخر . ما اشتغل عليه الإخوان طويلاً من قبل أنتج لهم المردود المأمول . ألم يعطهم هؤلاء الطلاب بزهرة شبابهم عمراً جديداً وامتداداً سياسياً أطول كانوا بأمسّ الحاجة إليه بعد نكبتهم في عزل الشعب لرئيسهم وفض اعتصاماتهم في رابعة؟ لولا هؤلاء الطلبة ولولا نمط جديد شرس من نسائهم يقطع الشوارع يومياً ويمارس أشكالاً غير معهودة من الاعتداءات، لكانوا الآن صوتاً خافتاً تعبّر مصر الآن عنه بسلام . ها هم بطلابهم الغاضبين يوحون بقدرتهم على قطع طريق مصر نحو المستقبل تماماً كما يقطعون الطرقات يومياً أمام المرور وأمام الحياة الطبيعية للناس .

ولم يعط الطلاب الإخوان ظهوراً جديداً مختلفاً، وإنما برهنوا من خلالهم "ثوريتهم" المزعومة، هم الذين عرفوا بالوسطية السياسية أي اليمينية والمحافظة . هذه المزاوجة المستحيلة في الواقع تكشفها وتفضح زيفها الأصابع الأردوغانية الأربع، التي كشف أخيراً أن أردوغان هو من أوكل لشركة تسويق دولية تصميمها كشعار، هي ما يبررون به كل ما ألحقوه بمرافق البلد واقتصاده ومؤسساته التعليمية والأمنية والشرطية من أضرار وخسائر .

باسم الثورة يحاول الإخوان إخضاع البلد للفوضى والحرائق والترهيب، معتقدين بإمكانية أن تخلق تلك الأجواء وضع مقارنة تفضيلي لزمن مرسي، ومعتقدين كذلك وبعقلية مقامرة بلا شك بإمكانية إنجراف البلد إلى وضع فوضوي تنتصر فيه "ثورتهم" .

اقتراب موعد الاستفتاء على الدستور هو كذلك اقتراب موعد الحكم الشعبي على الإخوان بعد أن أخذوا زمنهم الكافي في العنف والتخريب والتناوش والاشتباك مع الأمن بشكل يومي، حيث يصل هذا العنف والترويع للشعب إلى قمته، ويبدو البلد في حالة حرب مع نفسه بدخان الغاز الكثيف الذي يلف سماءه في مواقع الاشتباكات قرب الجامعات وغيرها .

يريد الإخوان القول للمصريين العاديين بشكل مباشر وفج إن ذهابهم للاستفتاء غير آمن وغير مضمون، وبالتالي فالأفضل لهم الجلوس في بيوتهم ليفشل الاستفتاء ويفقد الشعب ديمقراطيته ودوره السياسي .

إن كان هذا هو وقت قول الشعب كلمته، فإن هنالك ما يمثل استباقاً لهذه الكلمة وإشارة رمزية لها، يتمثل ذلك في انتخابات نقابة الأطباء التي حررت نتائجها أخيراً هذه النقابة من سيطرة إخوانية دامت لثمانية وعشرين عاماً . النقابة هي قلعة الإخوان الحصينة ومساحتهم الخاصة وقد خسروها في يوم جليدي قارس البرودة عزم الناخبون فيه بكل تصميم على طي صفحة سيطرة الإخوان، وقد فعلوا . ألا يفترض أن عقلية الأطباء المصريين هي ممثلة في هذا الصدد للحكم العام الذي يصدره المصريون العاديون على تنظيم الإخوان؟

حين خلعت الملايين من المصريين الرئيس السابق مرسي بمظاهراتها العارمة كان جل السبب في ذلك هو أخلاقي بحت يتمثل في انكشاف خداع وكذب الإخوان وزيف مقولاتهم وغرورهم وتعبدهم السلطة هم الملتحفون في ثوب الدين المثالي والمقدس . لم يكونوا قد اقترفوا بعد كل أشكال العنف والتدمير وإشعال الفتن ومحاولة سحب البلاد إلى حافة الهاوية؟ فكيف يكون الحكم الشعبي عليهم بعد هذه؟

الأرجح والمنطقي أيضاً أن الدائرة تضيق حول الإخوان ولا تتسع كما يتصورون، وذلك وبواسطة عدوانيتهم ولارتكابهم خطايا لا يتسامح معها مجتمع مسالم مثل المجتمع المصري .

المنتظر إذاً أن تكشف الأيام المقبلة أن ورقة الطلاب والشباب ليست في طريق الاحتراق النهائي فقط، بل إن عائدها كارثي على جماهيرية الجماعة التي طالما كانت الصورة النمطية لكوادرها وقواعدها هي الاتزان والاعتدال والوسطية والمسالمة، وليس إطلاق العنان لما يعاكس ذلك .

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.