.
.
.
.

شواهد تاريخية.. على أكاذيب إخوانية

صلاح عيسى

نشر في: آخر تحديث:

بعد أقل من أسبوعين على وقوع حادث التفجير فى مبنى مديرية أمن الدقهلية، أعلن وزير الداخلية محمد إبراهيم، أمس الأول، عن تفاصيل المعلومات التى توصلت إليها أجهزة الأمن عن العناصر التى خططت للحادث، بما فى ذلك اسم الانتحارى الذى قام بتنفيذه، فألقى بذلك دلواً من الماء المثلج على رؤوس الذين ظلوا خلال هذه الفترة يروجون للقول بأن وزارة الداخلية أو غيرها من مؤسسات الدولة، هى التى خططت ونفذت الجريمة لتتخذ منها وسيلة لتشويه سمعة تيار الإسلام السياسى، ولتبرير الملاحقات الأمنية والقضائية لبعض قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وتفتعل مبررات لما يصفه هؤلاء بأنه «انقلاب 30 يونيو».

وليست هذه أول جريمة إرهابية يرتكبها أو يشارك فيها بعض المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، أو غيرهم من الإرهابيين، ثم تسعى الجماعة للتنصل من مسؤوليتها عن ارتكابها باتهام الحكومة بتدبيرها، أو بتعليق فأس المسؤولية عن القيام بها فى رقبة خصومهم السياسيين، أو فى رقبة أعداء البلاد حسب الظروف.

حدث ذلك حين قامت مجموعة من النظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية عام 1954، وهى واقعة ظلت المرويات التاريخية للجماعة على امتداد ما يزيد على نصف قرن تؤكد أنها بريئة منها، وأنها تمثيلية ألفتها وأخرجتها أجهزة الأمن الناصرية، لكى تتخذ منها ذريعة لتصفية الجماعة بسبب معارضتها لمعاهدة الجلاء التى وُقّعت فى صيف ذلك العام، وتستدل على ذلك بشواهد أذاعت بعضها فى حينه، من بينها أن عمال مديرية التحرير - المؤيدين لثورة يوليو 1952 - قد احتلوا معظم مقاعد السرادق الذى كان يخطب فيه عبدالناصر، وأن أحدهم هو الذى أطلق النار بطريقة لا تصيبه بأذى، وأذيع الآخر فيما بعد، من بينها أن عبدالناصر كان يرتدى لأول مرة فى حياته قميصاً واقياً للرصاص تم استيراده من أمريكا على عجل، ووصل قبل ساعات من عرض تمثيلية محاولة الاغتيال، وأن محمود عبداللطيف - السمكرى الذى نفذ المحاولة - كان يردد أثناء اقتياده لتنفيذ حكم الإعدام الذى صدر بحقه عبارة «ماكانش دا اتفاقنا»، ما يوحى بأن الطرف الآخر الذى اتفق معه على دوره فى الفيلم قد خرج عن نص السيناريو المتفق عليه!

تلك مرويات تتصادم مع حقيقة أن المتهمين بتدبير المحاولة قد اعترفوا جميعاً بأن مجموعة التنظيم الخاص، التابع لجماعة الإخوان المسلمين فى حى إمبابة، تلقت تعليمات من قياداتها فى محافظتى القاهرة والجيزة باغتيال عبدالناصر أثناء إحدى جولاته الجماهيرية لشرح معاهدة الجلاء، وأن هذه المجموعة قد بحثت مع قيادة النظام عدة خطط، كان من بينها خطة تحتفظ للجناح الإرهابى من الجماعة ببراءة اختراع الأحزمة الناسفة التى شاع استخدامها فيما بعد فى العمليات الانتحارية الإرهابية، وكلف أحد أعضاء المجموعة - بالفعل - بارتداء هذا الحزام، وبالسعى لاحتضان عبدالناصر خلال جولاته بين حشود الجماهير، ثم الضغط بكفه على سلكين لتكتمل دائرة التفجير، ولكنه رفض أن يدخل التاريخ باعتباره رائد العمليات الانتحارية، متذرعاً بأن ذلك يعتبر انتحاراً، وهو ما تحرمه الشريعة، وفضل أن يتم تنفيذ العملية بالمسدس لأن قتل الأبرياء - تطبيقاً للفقه الإرهابى - ليس محرماً.

وهى مرويات تكشف عن خيال ركيك، وتفتقر للحد الأدنى من المنطق، إذ لو كانت محاولة اغتيال عبدالناصر تمثيلية دبرتها أجهزته الأمنية لكان معنى ذلك أن كل الذين اعترفوا بمشاركتهم فى التخطيط لها من أعضاء وقادة الحركات السرية للجماعة، وأعدموا بسبب ذلك، ومنهم محمود عبداللطيف، وهنداوى دوير، وإبراهيم الطيب، ويوسف طلعت، هم مجموعة من الأشرار الفجار الذين تآمروا على الجماعة، واتفقوا مع عبدالناصر على أن يقوموا بأدوار فى تمثيلية تستهدف التنكيل بها، وهو ما يتناقض مع وصف أصحاب هذه المرويات لهؤلاء بأنهم الشهداء الأبرار. ولا تفسير لذلك إلا أن الذين يقودون الجماعة أرادوا آنذاك أن يتملصوا من المسؤولية السياسية عن محاولة اغتيال عبدالناصر أمام الجمهور الواسع من أعضائها الذين انضموا إليها وفى ظنهم أنهم ينضمون إلى جماعة دينية، تدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والذين أفزعهم أن الجماعة تدعو إلى سبيل السلطة، بالمسدسات والقنابل والأحزمة الناسفة بهذا الادعاء المضحك، الذى يكشف ليس فقط عن استحلالها للكذب ضد خصومها السياسيين، ولكن - كذلك - عن عزوفها عن مواجهة الحقيقة وعن نقد أخطائها.

شىء من ذلك حدث أيضاً فى بداية عام 1965، وقبل شهور من التنظيم الإخوانى السرى الذى كان يقوده سيد قطب، حين وزعت فى نقابة الصحفيين منشورات يوحى أسلوبها بأن الذين يوزعونها من المنتمين إلى جماعة الإخوان، ولأن التنظيم لم يكن يصدر آنذاك أى منشورات للتوزيع العام، فقد أفزع توزيع هذه المنشورات قياداته التى خشيت من أن تلفت هذه المنشورات نظر أجهزة الأمن إلى ما كان يقوم به من نشاط، وحين عرضوا الأمر على سيد قطب فى أحد اجتماعاتهم تجاهل الاحتمال الوحيد المنطقى، وهو أن يكون وراء توزيع هذه المنشورات تنظيم آخر للإخوان المسلمين، أو لغيرهم ممن ينتمون إلى نفس التيار، ونصح اللجنة الخماسية التى كانت تتولى القيادة الفعلية للتنظيم بإطلاق حملة شائعات بأن وراء هذه المنشورات مجموعة من الشيوعيين، يقلدون طريقة الإخوان فى كتابة منشوراتهم، بهدف تحريض أجهزة الأمن ضدهم، فتقوم باعتقالهم.

وفى عام 1994 ترك عضو بإحدى الجماعات الإرهابية المنتمية للتيار الإسلامى حقيبة أسفل إحدى مناضد مقهى وادى النيل، وبعد دقائق من مغادرته المكان انفجرت فى المواطنين الذين كانوا يزحمون المقهى فقتلت وأصابت العشرات منهم، وفى الأسبوع نفسه خرجت إحدى الصحف الحزبية، التى كانت تنطق آنذاك بلسان تحالف يضم عدداً من الأحزاب والحركات الإسلامية، بمانشيتات زاعقة تعلن أن وراء التفجيرات التى حدثت فى المقهى عناصر من الموساد الإسرائيلى، أرادت بما فعلت أن تشوه سمعة التيار الإسلامى، وأن توقع بينه وبين السلطة الحاكمة، وتحذر من الاستسلام لهذه المؤامرات التى يدبرها العدو للإيقاع بين المصريين.. وبعد أسابيع توصلت أجهزة الأمن إلى الحقيقة، وقبض على المتهم، واتضح أنه ينتمى للتيار الإسلامى وليس إلى التيار الموسادى!

وفى البيان الذى ألقاه وزير الداخلية، أمس الأول، أشار إلى أن من بين المتهمين فى تخطيط وتنفيذ محاولة تفجير مبنى مديرية أمن الدقهلية عناصر تنتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، اعترف بعضهم فى التحقيقات بأنهم شاركوا مع غيرهم فى إطلاق الأعيرة النارية على أعضاء الحركات الثورية بالمنصورة أثناء تظاهرة قاموا بها أمام ديوان عام المحافظة، وفى شارع بورسعيد بالمدينة، وأصابوا ثلاثة منهم بطلقات نارية وأعيرة خرطوش، وقتلوا أحد المؤيدين لثورة 30 يونيو، وأن بينهم من لعب أدواراً أساسية فى رصد مبنى مديرية الأمن، وفى إيواء الذين قاموا بعملية التفجير، بما فى ذلك الانتحارى الذى نفذ العملية، والسيارة التى استخدمت فيها.. فضلاً عن تفاصيل أخرى تتعلق بالتعاون بين هؤلاء وبين أعضاء من جماعة «حماس» التى استضافت بعضهم ودربتهم على أساليب العنف!

تلك بعض الحقائق التى تميط اللثام عن سر ما كان يعرف بـ«الطرف الثالث» أو «اللهو الخفى» الذى قام بعمليات قتل المتظاهرين أثناء ثورة يناير وبعدها، وتؤكد الشكوك التى بدأت تثور بعد شهور من تلك الثورة عن دور خفى لعبته عناصر إرهابية تنتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وراء أحداث العنف التى شهدتها، بينما كان الثوار يعتصمون بميدان التحرير ويهتفون «سلمية.. سلمية»، ومنها إحراق أقسام الشرطة ومحاولة اقتحام مديريات الأمن، ومحاولة اقتحام بعض البنوك، فضلاً عن العمليات المنظمة التى استهدفت اقتحام السجون وإطلاق آلاف المسجونين، وفى مقدمتهم الرجل الذى حكم البلاد بعد ذلك لمدة عام؟!

وهى حقائق لا تفيد فى تفنيدها الأكاذيب والشائعات التى تعودت قيادة الجماعة على إطلاقها كلما واجهت اتهامات من هذا النوع، ومن بينها اتهام أجهزة الأمن بأنها التى دبرتها لكى تلصقها بها، أو تعليق فأس المسؤولية عنها فى رقبة خصومها السياسيين، أو فى رقبة الموساد الإسرائيلى، بعد أن تعددت الشواهد على أن من بين الضالعين فيها أعضاء بالجماعة ومن الجماعات الحليفة لها، ومن المنتمين إلى فرع الموساد الإخوانى فى غزة!

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.