.
.
.
.

الإعلام الذى فقد عقله

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:


من بين ما يجب الاعتراف به ومواجهته ومناقشته، ما تقدمه وسائل الإعلام المختلفة من أخبار وقصص تبدو متناقضة طوال الوقت، ولا يخلو يوم تقريبا من نفى خبر أو استنكار قصة، أو كشف كذب حكايات بأكملها، وربما ذلك ما دفع قطاعا كبيرا من الجماهير للتشكيك فيما تنشره جميع وسائل الإعلام، وبات بعض المواطنين لا يصدق إلا نفسه، أو ما يقبله عقله، ولا نستطيع لومهم فى ذلك، خاصة بعد قصة «أبله فاهيتا» والتى لا تشكك فقط فى مصداقية بعض وسائل الإعلام، بل فى قدراتها العقلية، ورصانتها واتزانها، وفى تقديرى أن ذلك خطر داهم لا يلتفت إليه أحد، وقد سألنى بعض المصريين الذين يعيشون خارج مصر ويتابعون القنوات الفضائية باستمرار عن بعض ما تبثه هذه القنوات، وبصراحة خشيت تقديم إجابة وفقا لتصوراتى، على اعتبار أننى أحد المتهمين (على اعتبار أننى انتمى لهذه المهنة وأرفض دوما الذين يتحدثون عنها وكأنهم من خارجها) وفضلت سماع شكواهم على أن أجيبهم لاحقا بعد أن أتأكد من توثيق ما سألوا عنه، لكنى عجزت تماما عن مواجهة سؤال يتعلق بأبله فاهيتا، يستفهم عن أن برنامجا عرض تصريحات لمفجر القضية يؤكد فيها أنه سيسجنها، وهل ذلك نقاش جدى أم أن البرنامج يداعب مشاهديه، على اعتبار أن ابله فاهيتا دمية وسجنها هو نوع من العبث الكامل.

المشكلة التى تبدو أنها تتضخم يوما بعد آخر، والتى يجب مواجهتها، هى غياب المصادر الموثوق فيها والتى يمكن للمواطن أن يستقى منها الأخبار، خاصة أن مصر تشهد فترة بالغة الصعوبة، والجميع يبحث عن حقيقة ما يدور حوله، أو ما ينتظره فى المستقبل، ويزيد الأمور تعقيدا، خلط الآراء بالحقائق، مما وضع المواطن فى حيرة فلا هو عرف حقيقة الأحداث، ولا أحد أضاء طريقه برأى أو توضيح أو تحليل، لأن كل ذلك لا معنى له فى ظل فقدان حقيقة ما حدث، وبذلك نكون أمام حالة مثالية من حالات تشوش الرأى العام، والتى تنعكس مجددا بالسلب على وسائل الإعلام، والتى أصبح، أغلبها فى وادٍ والمواطنين فى وادٍ آخر، وبالتالى يزداد غموض الموقف السياسى الذى يعتمد فى تشكيله على جدل الرأى العام والإعلام حول المنتج المتنوع للساسة والمسئولين.

قصة «أبله فاهيتا» رغم طرافتها، إلا أنها تعكس بدقة ما وصلت إليه بعض وسائل الإعلام من فقدان لعقلها ومصداقيتها فى ذات الآن، وبالضرورة فقدانها لأهليتها، وهى قصة تقدم تحذيرا واضحا وجليا عن خطورة الحالة الإعلامية وتأثيراتها شديدة السلبية على الرأى العام، والتى امتدت إلى التأثير على الوضع الاقتصادى كما أشارت بعض كبريات الصحف العالمية، وهذا الملف برمته يطلق صفارة إنذار طويلة لجميع القائمين على الشأن الإعلامى، لأننا اذا لم ننتبه للأمر ونعالجه كما ينبغى، سندخل فى دوامة لا نهاية لها من التشكيك فى كل ما يقدمه الإعلام، وسيكون الدليل دائما حكاية أبله فاهيتا، وكيف أن الاعلام ليس كاذبا وحسب، بل مجنونا ومخرفا ولا يليق لعاقل أن يتابعه ويعتمد عليه، ومن ثم العودة مجددا لمصادر أخبار خارحية تماما كما كان يحدث قبل أكثر من نصف قرن، وهذا هو الخطر الذى يجب أن نلتفت إليه ولا نجعله يحدث، لأنه لو حدث نكون قد سلمنا أنفسنا (تسليم أهالى كما يقولون) لمن نصفهم الآن بأصحاب المؤامرة على بلادنا.. فلماذا نفعل ذلك بأنفسنا؟


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.