.
.
.
.

في مصر جيشٌ و"إخوانٌ" فقط؟

سركيس نعوم

نشر في: آخر تحديث:

لا يصدِّق متابعون كثيرون لأوضاع مصر أن أي تغيير لنظامها أو تعديل تلبية لمطالبة شعبية واسعة في الشارع، يمكن أن يتحقق من دون تدخُّل خارجي قوي. فالتغيير الأول في التاريخ الحديث لمصر ثورة يوليو عام 1952 ساهم فيه ضوء أخضر أو عدم ممانعة أميركية. وكان قادته كلهم عسكريين. والتغيير الثاني الذي بدأ في 25 يناير 2011 ولم يكتمل قامت فيه بأدوار مهمة أكثر من جهة خارجية. فالولايات المتحدة "عقدت" اتفاقاً بحسب هؤلاء مع "جماعة الإخوان المسلمين"، كونها الفريق السياسي الشعبي العريق المنظم الوحيد ومنذ عقود، تضمَّن موافقتها على حُكمِهم في مقابل استمرار إلتزام مصر معاهدة السلم مع إسرائيل والسعي إلى حل ينهي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

والتغيير الثالث الذي بدأ في 30 يونيو 2013 ولم يكتمل امتعضت منه الولايات المتحدة واعترضت عليه، ثم اتخذت إجراءات "عقابية" في حق جيش مصر بسببه.

إلى أميركا يتحدث أصحاب نظرية الدور الخارجي في ما جرى ويجري في مصر عن تعاون "إخوان" مصر مع إيران الإسلامية وتركيا "الإخوانية" الجذور. وربما يتحدث في مستقبل غير بعيد هؤلاء عن تدخُّل روسي ما في مصر، وذلك إذا لم تستوِ العلاقة بين مصر الجديدة غير المكتملة المعالم والملامح مع أميركا، وإذا طاولت الحرب الباردة المتجددة بين الدولتين الكبيرتين مصر.

ما مدى صحة انطباعات المتابعين المشار إليهم أعلاه؟

المتابعون المصريون لما جرى ويجري في بلادهم يؤكدون أن ثورة مصر في يناير 2011 لم تكن وراءها جهة أو دولة عربية أو إسلامية أو أجنبية. لكنهم يشدِّدون على أن دولاً كبيرة وصغيرة دخلت على خط "الثورة" لمعرفة ما يجري وتالياً لتوجيهه على نحو يخدم مصالحها الإستراتيجية. ويعتقد هؤلاء أن المؤمنين بدور خارجي وراء كل شيء ربما معذورون. ذلك أن الدول الكبرى والدول الاقليمية المهمة "هلكت" الشرق الأوسط بتدخلاتها التي لم تكن غالباً في مصلحة شعوبه. لكن أن يصبحوا مسكونين بهذا "السرساب" فأمر آخر، إذ أنه يفقدهم الدِّقة والموضوعية.

إلى ذلك هناك انطباع عند المتابعين خارج مصر لأوضاعها يفيد أن كل تغيير كامل أو جزئي حصل فيها لم يكن لينجح لولا الجيش. فعام 1952 قام "الضباط الأحرار" بانقلاب سموه ثورة، ولم يسبقه تحرك شعبي واسع. وفي يناير 2011 إنحاز الجيش إلى "الثورة" الشعبية فمكّنها من النجاح. وفي 30 يونيو 2013 شجَّع الجيش الثورة الشعبية السلمية الضخمة في مصر ودعمها فحققت النجاح.

ومن هذا الانطباع يقول المتابعون المصريون لأوضاع بلادهم أن فيه حجة مبدئية وتعميم لا يجوز. فثورة الـ1952 بدأت إنقلاباً ثم تحوّلت ثورة بفعل التغييرات الداخلية المهمة التي أفادت غالبية الشعب، والتي لم تكن الديموقراطية من بينها ويا للأسف. وثورة الـ2011 لم يكن للجيش دور مباشر فيها إلا الحماية بعد "رفع اليد" عن "الرئيس حسني مبارك" ومجموعته. وثورة الـ2013 كان دور الجيش فيها أكبر، ولكن بعدما أدرك أن استمرار الصمت وعدم التحرُّك سيأخذ البلاد إلى حرب أهلية، ويمكِّن "الإخوان" من حكمها خلافاً لرأي غالبية الشعب. ولا يعني ذلك تقليلاً من حجم "الإخوان". وقد وجَّه عبد الفتاح السيسي رئيس الأركان تنبيهات وإنذارات علنية ورسمية وداخل الغرف المقفلة، لكن أحداً في حكم "الإخوان" لم يصغ إليه.

وسواء كان هذا الكلام صحيحاً كلياً أو جزئياً تظهر حقائق مهمة، أولاها أن لا تغيير في مصر من دون جيش. وثانيتها أن لا ثورة من دون شعب. وثالثتها غياب الأحزاب والتنظيم عند الشعب. ورابعتها أن مصر تعيش اليوم فراغاً سياسياً يملأه من جهة "الإخوان" ومن جهة أخرى "الجيش". وخامستها هي النص في الدستور على تعيين الجيش وزير الدفاع. وهي حقائق مقلقة كلها.

يبقى السؤال كيف ترى أميركا مصر حالياً؟

أميركا مارست، استناداً إلى متابعين في واشنطن، سياسة إنتظِر وراقِب. فهي انتظرت صوغ الدستور وتنتظر الاستفتاء عليه، ولاحقاً الانتخابات من رئاسية ونيابية والنتائج التي ستسفر عنها. وهي تعتبر أنها قامت بما عليها كي لا تظهر داعمة لأنظمة عسكرية. لكنها ليست منزعجة من الدعم المالي الخليجي وتحديداً السعودي لمصر الحالية. كما أنها غير منزعجة من معارضة نظام مصر الجديد غير المكتمل بعد والسعودية لـ"الإخوان المسلمين".

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.