.
.
.
.

الاستعلاء الأوروبى!

محمد سلماوي

نشر في: آخر تحديث:

قال لى سفير إحدى الدول الأوروبية الكبرى: إننى آخذ على صحافتكم أنها تتحدث كلها بنفس اللغة، وأنها تفتقر إلى التعددية. قلت: فى لحظات الخطر تنحاز الشعوب دائماً إلى موقف تجمع عليه الغالبية العظمى، ومصر تمر الآن بلحظة فارقة فى تاريخها تواجه فيه خطر الإرهاب الذى يتربص بها، وتتطلع الغالبية الكاسحة من المواطنين إلى المستقبل الذى طال انتظاره بعد أن عطلته تطورات الأعوام الثلاثة الأخيرة، خاصة حكم الإخوان الذى ثارت ضده الملايين من المواطنين، والصحافة إنما تعكس هذا الإجماع الوطنى الذى لا أتصور أنه يغيب عنكم.

تململ السفير وهو يقول: نعم ولكن أين الرأى الآخر؟ قلت على الفور: تقصد الإخوان، فلا يوجد على الساحة رأى مخالف لهذا الإجماع الوطنى الآن إلا الإخوان وبعض الفصائل المتطرفة التى تجد لنفسها مصلحة فى التحالف مع تنظيمهم الإرهابى، ولست أعرف من الذى يترجم لك محتوى الصحف المصرية، لكن دعنى أؤكد لك أن أخبار الإخوان تملأ الصحف المصرية، وربما بشكل مبالغ فيه، قال: هذا صحيح لكنى أتحدث عن رأيهم وليس عن أخبارهم، قلت: كل رأى يتفوهون به ينقل فى الصحف حتى لو كان قد قيل من خلف القضبان.

ثم قلت للسفير: دعنى أسألك: هل كنتم فى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حريصين كل هذا الحرص على أن تنقل صحافتكم أخبار وآراء الأنظمة التى أسقطتموها؟ ألم يكن هناك فى ذلك الوقت إجماع شعبى فى أوروبا الحرة ضد الأنظمة النازية والفاشية التى سقطت؟ بل لقد وضعتم من القوانين ما يحول دون إعادة النظر فى شأن هذه الأنظمة وتوجهاتها واختلقتم جريمة جديدة اسمها «المراجعة» Revisionism.

فانتفض السفير قائلاً: لا لا، هذا وضع مختلف تماماً ولا.. فقاطعته: بل إن هذه هى مشكلتنا معكم، فأنتم تعتبرون أنفسكم مختلفين تماماً عنا، وتؤمنون بأن ما يصلح لكم لا يصلح لنا، وتقبلون لنا ما لا تقبلونه لأنفسكم، فتعاملكم على سبيل المثال مع المظاهرات والاعتصامات وقطع الطرق أو إشغالها يتسم بالحسم والشدة، رغم أن هذه المظاهرات سلمية، أما عندنا، فهى انتهاك لحقوق الإنسان حتى لو كانت غير سلمية، وقد كان آخرها ما تعاملت به قوات الأمن الفرنسية مع العناصر التى حاولت الاعتصام داخل القنصلية المصرية بالمخالفة للقانون.

إن تلك الازدواجية تنم عن نظرة استعلاء لن تنصلح صورتكم أمام الشعب المصرى ما لم تتخلوا عنها.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.