نضال ما بعد الاستفتاء‏!

عبد المحسن سلامة
عبد المحسن سلامة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

بعد غد يبدأ الجهاد الأصغر لإقرار الدستور‏,‏ وأعتقد أن الشعب المصري سوف يقبل التحدي ويخرج للتصويت والموافقة علي الدستور المعدل في أول خطوة لاستحقاقات خريطة طريق المستقبل للمرحلة الانتقالية بعد أن عاني الشعب المصري أشد المعاناة علي مدي‏3‏ سنوات كاملة هي الأصعب في حياته علي مدي أربعة عقود كاملة‏.‏

كل المؤشرات تشير إلي إقبال المواطنين علي الخروج للمشاركة في الاستفتاء والتصويت ولن يثنيهم عن ذلك أية محاولة لتعطيل الخروج, فالشعب المصري دائما يبهر العالم بتصرفاته وقدرته علي مواجهة التحديات أيا كانت, ويعرف تماما مصلحة وطنه, ولا يستطيع أحد أن يخدعه طويلا, هو فقط يقدم حسن النية كعادته, لكنه سرعان ما ينتفض ويثور إذا شعر أنه وقع فريسة للخديعة.

علي مدي أقل من قرن انتفض الشعب المصري وثار عدة مرات أولاها ثورة1919, وثانيتها ثورة يوليو1952, وبعدها كانت حركة التصحيح في مايو71, ثم كانت ثورة يناير2011, وبعدها ثورة يونيو2013, وهكذا فإنه بمتوسط أقل من20 عاما يتمرد الشعب المصري علي أوضاعه الخاطئة, ويحاول تصحيحها إلا أنه حتي الآن لم يرس علي شاطيء الأمان, وهذا هو التحدي الذي يواجهنا الآن.

المصريون يحتاجون إلي الاستقرار والأمن والأمان وإلي إقامة دولتهم الديمقراطية المدنية العصرية الحديثة التي لا تعرف التوريث ولا الديكتاتورية, ولا تخشي الإرهاب الديني أو السياسي أو حتي الفكري, وتعرف طريق التغيير والتداول السلمي للسلطة بعيدا عن تأليه الحكام وعبادتهم.

إقرار الدستور هو الخطوة الأولي والجهاد الأصغر من أجل تحقيق ذلك.. أما الجهاد الأكبر فهو يأتي بعد الاستفتاء وإقرار الدستور, ويتمثل في كيفية تطبيق الدستور علي أرض الواقع وتحويل نصوصه إلي قوانين, وتحويل تلك القوانين إلي ماكينة حية تقف بكل صرامة وشموخ علي أرض الواقع, ويتم تطبيقها بكل حسم وقوة فهذا هو مربط الفرس كما يقولون, وتلك هي المعضلة ولب الأزمة.

لا توجد دساتير سيئة فدستور1971 كان دستورا عظيما حتي تم تعديله في1981 ليتمكن الرئيس الراحل أنور السادات من البقاء في الحكم غير أنه لم يهنأ بذلك, واستفاد بذلك التعديل الرئيس الأسبق مبارك, ثم كانت تلك التعديلات المشئومة في2007 التي ألغت الإشراف القضائي علي الانتخابات بهدف التمهيد للتوريث, لكن ثورة يناير أطاحت بكل تلك الأحلام.

أتمني لو أن كل الاحزاب والقوي السياسية أدرجت في برامجها الرئيسية مبدأ تطبيق نصوص الدستور علي أرض الواقع لتتحول المواطنة إلي حقيقة واقعة كما جاءت في نص المادة35 التي أكدت أن المواطنين لدي القانون سواء لا تمييز بينهم, وألزمت تلك المادة الدولة بإنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة التمييز ليلجأ إليها المواطن إذا استشعر بالتمييز ضده لأي سبب من الأسباب.

علي الأحزاب والقوي الشبابية والائتلافات أن تستعد لمرحلة ما بعد إقرار الدستور من خلال النضال السلمي لتحويل كل مواد الدستور إلي واقع يعيشه المواطن, وأن يلتزم الرئيس المقبل بذلك, وأن تكون هناك مدة زمنية لا تزيد علي سنة بعد انتخابات البرلمان للانتهاء من كل القوانين المكملة للدستور في جميع المجالات بعد أن يتم طرح مشروعات تلك القوانين للحوار المجتمعي المناسب قبل إقرارها, وأن تقدم كل الاحزاب والهيئات والنقابات رؤيتها لتلك القوانين حتي تخرج إلي النور خالية من العوار.

مطلوب من كل الأحزاب والهيئات والجمعيات والمنظمات الأهلية والنقابات والأفراد الاستعداد لمرحلة طويلة من النضال السلمي لتتحول نصوص الدستور إلي واقع نعيشه لنتجنب أخطاء الماضي وسلبياته في كل العهود السابقة, ولا نفاجأ بأن الدستور دخل المتحف وأصبح الواقع شيئا مختلفا تماما عن نصوصه.

كان من الممكن أن تقوم جبهة الانقاذ بدور محوري في المرحلة المقبلة إذا استمرت من أجل مراقبة تطبيق نصوص الدستور وتحويله إلي قوانين بعيدا عن إنحراف السلطة, ولا أدري سببا لبعثرة أشلاء الجبهة بهذه السرعة فالمرحلة مازالت طويلة لكي يتحقق حلم الدولة الديمقراطية المدنية العصرية الحديثة التي تتسع لكل المصريين بعيدا عن انتماءاتهم السياسية والحزبية والدينية إلا إذا كان الصراع علي السلطة قد دب فيما بين اقطاب الجبهة فذهب كل منهم يبحث عنها بمفرده.

أخيرا.. أتمني أن يتحول يوما الثلاثاء والاربعاء المقبلان إلي عيد لكل المصريين لنفرغ من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر بعد ذلك وهذا هو الأهم.

نقلاً عن صحيفة" الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.