.
.
.
.

السيسي يفتح صفحة جديدة بين الرئاسة والكنيسة

نشر في: آخر تحديث:

تعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للكاتدرائية لتهنئة الأقباط بعيدهم وحضور قداس عيد الميلاد نقطة فارقة في علاقة رؤساء مصر بالكنيسة.

وشهدت علاقة الرؤساء بالأقباط مراحل شد وجذب، ونقاط تفاهم وخلاف، ومعارك طاحنة وصدامات انتهت بإحداها لعزل السادات للبابا شنودة الثالث.

المتتبع لعلاقة الرئاسة المصرية بالكنيسة القبطية يكتشف أن زيارة السيسي، مساء الثلاثاء، هي بداية مرحلة جديدة بين الطرفين مرحلة تتغلب فيها الانتماءات الوطنية على التعصب الديني والنعرة الطائفية وترسي أسسا جديدة بين نسيجي الأمة المصرية وتحشدهما في مواجهة طرف ثالث يسعي لتمزيق هذه العلاقة والنفاذ منها للسطو على الدولة.

وكانت فكرة بناء الكنيسة المصرية قد تجسدت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي رحب بإنشاء كاتدرائية كبرى جديدة تليق بوضع مصر وكنيستها التي يتبعها ملايين المسيحيين في الشرق وخصص ١٠٠ ألف جنيه للبناء.

استهل عبد الناصر خطابه للكنيسة والشعب في ٢٤ يوليو ١٩٦٥ أثناء وضع حجر الأساس بحي العباسية بكلمات ألهبت مشاعر المسيحيين، وأشعرتهم باحتضان الدولة لهم واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من نسيجها ووحدتها، والتقط صورا مع البابا كيرلس بابا الأقباط في ذلك الوقت والإمبراطور هيلاسلاسى إمبراطور إثيوبيا الذى حضر الاحتفال.

وارتبط عبد الناصر بعلاقة جيدة مع الكنيسة، وتوطدت علاقة الصداقة بينه وبين البابا كيرلس ضمن من خلالها عبد الناصر ولاء الكنيسة ودعمها له ومساندتها لقضايا مصر الخارجية ومنها قضية مياه النيل مع إثيوبيا والتي كانت تلتزم بتعليمات الكنيسة بعدم الدخول في مواجهات مع مصر بسبب المياه، بينما تولى عبد الناصر تأمين وحماية المسيحيين وممتلكاتهم وعدم الاعتداء عليهم ولم تشهد علاقة الرئاسة بالكنيسة في تلك الحقبة أي صدام.

وبعد رحيل عبد الناصر وتولي السادات الحكم، صعد لقمة الكرسي البابوي شنودة الثالث، ومرت سنوات من الصراع المكتوم بين الطرفين حتى جاءت الزيارة الأولى والأخيرة للسادات إلى الكاتدرائية وظهر شنودة في الصور التذكارية التي التقطت لتلك المناسبة وهو يؤدي صلاته بالتزامن مع صلاة الظهر التي أداها الرئيس السادات ونائبه وقتها حسني مبارك، وممدوح سالم، رئيس الوزراء آنذاك.

السادات لم يزر الكاتدرائية مرة أخرى حتى جاءت قرارات سبتمبر التي حدد فيها إقامة شنودة وألغي قرار تعيينه كبابا للكنيسة الأرثوذكسية، وعين لجنة من ٥ أساقفة لإدارة شؤون الكنيسة، قبل أن تنتهي الأزمة عقب اغتيال السادات في أكتوبر ١٩٨١.

جاء وصول الرئيس السادات إلى السلطة قبل وصول البابا شنودة الثالث إلى رأس الكنيسة المصرية بعام واحد وشهدت العلاقة بينهما توترا شديدا خاصة بعد أحداث الخانكة عام 1972 ورغبة البابا في زيادة عدد الكنائس إضافة إلى تواصله مع الإدارة الأميركية واجتماعاته المتكررة مع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو ما أزعج السادات.

كان شنودة يرى أن سياسة السادات في إطلاق يد الحركات الإسلامية للحد من نفوذ الناصريين يمثل تهديداً واضحاً للأقباط، وتعد هذه أبرز الأسباب في توتر العلاقة بين الكنيسة والسادات في تلك الفترة، وانتهى هذا التوتر بتحديد إقامة البابا في الدير بوادي النطرون وتشكيل لجنة لإدارة الكنيسة ولم يتم الإفراج عنه سوى عام 1984 في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يزر الكنيسة إلا مرتين لتأدية واجب العزاء، الأولى كانت لحضور قداس الجنازة في يناير عام ٢٠٠٠، لتأدية واجب العزاء في الفريق فؤاد عزيز غالي قائد الجيش الثاني الميداني في حرب أكتوبر، والثانية كانت في قداس جنازة المستشار حنا ناشد عضو المكتب السياسي للحزب الوطني المنحل، ورئيس مجلس الدولة الأسبق وذلك بمقر الكنيسة الأرثوذكسية بالكاتدرائية بالعباسية يوم ٢٠ ديسمبر ٢٠٠٦، بصحبة لفيف من رجال الدولة وأعضاء الحزب الوطني المنحل.

وتميزت العلاقة في هذه المرحلة بقدر كبير من التفاهم بين الكنيسة والدولة، فقد تولى مبارك السلطة في وقت كانت العلاقة بين الطرفين في أسوأ حالاتها، فسعى مبارك لتدعيم علاقته بالكنيسة، الأمر الذي أسهم في تشكيل نمط جديد للعلاقة صار فيه البابا شنودة هو الوسيط ما بين الدولة والأقباط.

بينما لم يقم الرئيس الأسبق محمد مرسي بأي زيارة تزامنا مع فتاوى أطلقتها التيارات الإسلامية بتحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، قبل أن يبادر الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور بأول مبادرة لرئيس مصري لتقديم التهنئة إلى المسيحيين في عيد الميلاد بالكاتدرائية بالعباسية.

تعد فترة مرسي الأسوأ في تاريخ علاقة الرؤساء بالكنيسة، حيث شهدت فترته فتورا في العلاقة بين الرئاسة والأقباط، وسادت حالة من الغضب بينهم نتيجة تعامل مرسي مع قضاياهم وملفاتهم بشيء من التجاهل.