.
.
.
.

طبيب يروي إجلاء باخرة الأقصر.. وقصة أم مؤلمة

نشر في: آخر تحديث:

في تمام الساعة الثامنة مساء السبت الماضي، داخل مديرية الصحة في الأقصر (جنوب مصر)، وصلت باخرتان على متنهما مئات السواح الأجانب والمصريين، من ضمنهم 45 مصاباً بفيروس كورونا المستجد و11 "مخالطاً لهم، ومعهم نحو 170 مسافرا "سليما"، بينما سيطر الرعب والفزع على الجميع، على متن الباخرتين وفي مديرية الصحة بالأقصر.

إحدى الباخرتين الموبوءتين
إحدى الباخرتين الموبوءتين

داخل مقر المديرية، اجتمع وكيل وزارة الصحة بالأقصر ومدير الطب الوقائي بالوزارة مع فريق الطب الوقائي بالمحافظة، لاتخاذ الاستعدادات اللازمة لنقل المصابين إلى مستشفى العزل في النحيلة بمرسى مطروح، ولنقل المسافرين الذين لم تتبين إصابتهم إلى فندق في مرسى مطروح لعزلهم فيه.

على بعد كيلومترات قليلة، وبالقرب من الباخرتين، تراصت سيارات الإسعاف في انتظار التحرك لنقل المصابين إلى الطائرة العسكرية التي كانت قد هبطت للتو في الأقصر. أما على متن الباخرتين، فكان الفزع هو الغالب، والصراخ متواصل، بينما رفض عدد من المسافرين نقلهم إلى مستشفى العزل مؤكدين أنهم بحالة جيدة ولا يشعرون بأعراض المرض.

رغم هذه الظروف، قام أطباء "الطب الوقائي" بعملهم داخل الباخرتين فجهّزوا المصابين وعزلوا المسافرين الآخرين منعاً لإصابتهم، فيما قام فريق آخر في تعقيم الباخرتين.

داخل مديرية الصحة ساد التوتر أيضاً، حيث تبيّن أنه لا يوجد عدد كاف من الأطباء لمرافقة المصابين، في ظل رفض بعض الأطباء تأدية هذه المهمة خشية الإصابة بكورونا.. وفجأة هب أحد الأطباء ليعلن استعداده التام لأداء المهمة وتعويض النقص.

الدكتور بكري عبد الستار
الدكتور بكري عبد الستار

طلب الطبيب قبل صعوده للباخرة

وافق الدكتور بكري عبد الستار، ابن مدينة الأقصر، على القيام بالمهمة التي تقترب من المخاطرة، حيث قرر، دون أي تردد، مرافقة المصابين وتأدية مهمته الإنسانية.

وروى بكري المتواجد حالياً في فندق العزل بمرسى مطروح، تفاصيل هذا اليوم وهذه المهمة كاملة لـ"العربية.نت"، قائلاً: "كان لدي طلب واحد فقط قبل أن أصعد للباخرة وأنقل المصابين، وهو ألا يبلّغ أحد من زملائي أسرتي بسفري مع المصابين، خاصةً أنني الابن الوحيد لوالدي ووالدتي".

قبل صعوده للباخرة الموبوءة
قبل صعوده للباخرة الموبوءة

وأضاف أنه "فور صعوده للباخرة لاحظ حالة الفزع الشديد الذي كان يسود وسط رفض المسافرين التام للنقل، فبدأ بطمأنة الجميع بأن هذا الأمر هو إجراء احترازي، وأنه لا يمكن السماح ببقاء هذه الحالات على الباخرة دون رعاية صحية خاصة. وأكد الطبيب لجميع المسافرين أن الأمر لن يستغرق سوى أسبوعين، مؤكداً لهم أن فرص الشفاء شبه أكيدة"، كما شرح لهم أن "المصاب يحتاج لراحة ورعاية خاصة حتى يتمكن من التغلب على الفيروس".

أم ترفض فراق ابنها

إلى ذلك، أقرّ أنه كان يخشى بالفعل من كارثة في حال بقت تلك الحالات على متن الباخرتين، حيث قد تنتقل العدوى إلى أكثر من 300 شخص على متنهما، ولذلك استمر بمساعي إقناع المسافرين بضرورة النقل حتى نجح في المهمة بشكل شبه كامل. وظلت سيدة فرنسية "كانت في حالة انهيار تام" ترفض قرار النقل حتى لا تترك ابنها البالغ من العمر 12 عاماً بمفرده على الباخرة.

من داخل الباخرة
من داخل الباخرة

وأضاف أنه نجح في الآخر بإقناع السيدة بأن بقاءها في الباخرة سيعرض ابنها للخطر، وقد تنقل له هي الفيروس، كما أكد لها أن ابنها سيلقى رعاية خاصة في فترة غيابها وبقائها في المستشفى. وتعاطف المسافرون وأفراد الفريق الطبي مع السيدة وأقنعوها بصحة الإجراءات المتخذة. وتابع الطبيب: "مشهد فراق السيدة الفرنسية لابنها كان مؤثراً ومبكياً".

من داخل الباخرة
من داخل الباخرة

7 مخالطين غادروا الفندق

وتابع : "توالت إجراءات نقل المصابين.. وصعد الجميع للطائرة العسكرية، وخلال وقت قصر كان الجميع في النحيلة. وكانت الاستعدادات هناك مشرفة واحترافية وتجري بدقة متناهية".

وخلال هذه المهمة المرهقة نفسياً وجسدياً، تم نقل المصابين بكورونا إلى مستشفى العزل، ونقل 11 مخالطاً لها إلى فندق في مرسى مطروح.

وبحسب الطبيب، تأكد خلو 7 من المخالطين من الفيروس وقد غادروا الفندق. وأوضح الطبيب أنه تم إخضاع المخالطين لـ3 تحاليل حيث تم سحب 3 عينات منهم بفارق 48 ساعة بين كل عينة والأخرى للتأكد من عدم حملهم الفيروس.

كما أكد بكري أن "الوضع تغيّر الآن وتبدل من الفزع للطمأنينة، ومن الخوف للسكينة، خاصة في ظل المعاملة المحترفة والإنسانية من جانب المسؤولين بوزارة الصحة وإدارة المستشفى والفندق".

وتابع: "رغم أن كل شخص كان يقيم بمفرده في غرفته، ولا يتواصل مع الآخرين إلا نادراً، فقد تبادل الجميع صور السيلفي، وهم يتواصلون مع أهلهم وذويهم".

حالة الأم الفرنسية

وبعد مرور أسبوع من عزل المصابين، تأكَّد شفاء الكثير منهم، حسب ما أعلنته وزارة الصحة المصرية. وكشف الدكتور بكري أنه يطمئن، عبر زملائه، بشكل متكرر على صحة الأم الفرنسية، وقد تأكد من أنها تتحسن، وتتواصل مع ابنها الذي بقي على متن الباخرة.

وشدد الطبيب على أن "الجميع لا بد أن يكمل فترة العزل التي تبلغ 14 يوماً، وبعدها يكون قد تم التخلص من الفيروس وأعراضه"، مشيراً إلى أنه يتواصل مع أسرته ويطمئنهم على صحته، وعلى ظروف إقامته في العزل. وقد شرح الطبيب لعائلته أن السلطات وفّرت له كل شيء يتعلق بإقامته من ملابس وأدوات خاصة وماكينات حلاقة ووسائل اتصال وغيرها.

وختم الطبيب المصري حديثه مع "العربية.نت" قائلاً: "أطمئن الجميع: الفيروس ليس صعباً، بل يمكن مواجهته بتقوية المناعة والراحة التامة والالتزام بتعليمات الأطباء، وعدم نقل العدوى للآخرين".

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة