مقابلة مع العربية نت

"جفاف النيل" يشعل التواصل بالسودان.. وتداعيات سد النهضة تعود للواجهة

مقاطع فيديو تداولها مواطنون سودانيون تظهر انحساراً في مناسيب نهر النيل

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

عادت من جديد هواجس "سد النهضة" لتتصدر المشهد المائي في حوض النيل، مدفوعة بـ "عاصفة " من القلق.

يأتي ذلك بعدما أثارته مقاطع فيديو تداولها مواطنون سودانيون على نطاق واسع، تظهر انحساراً غير مسبوق ومثيراً للريبة في مناسيب نهر النيل بعدد من المناطق السودانية.

وطرحت هذه المشاهد الصادمة أسئلة قاسية ومفصلية: هل دخل السودان بالفعل نفق الجفاف المظلم؟ وما الذي يحدث خلف جدران الخرسانة الإثيوبية؟

"العربية.نت" فتحت هذا الملف مع خبراء ومسؤولين مصريين لتفكيك طلاسم الأزمة والوقوف على تداعياتها الكارثية.

بوادر جفاف

في قراءته للمشهد، أكد وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، لـ "العربية.نت" و"الحدث.نت" أنه على الرغم من الزخم الإعلامي الإقليمي والدولي الذي يتحدث عن بوادر جفاف في السودان، فإنه لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية سودانية تؤكد أو تنفي هذه الأنباء بدقة.

ومع ذلك، أشار علام إلى أن الشواهد الميدانية تؤكد وجود تراجع واضح في كميات المياه المتدفقة من السد الإثيوبي، لافتاً إلى انخفاض منسوب التخزين وعدم خروج المياه من المفيض.

وأوضح الوزير الأسبق أن هذا الانخفاض قد يعود إلى أعطال أو عيوب فنية حالت دون تشغيل عدد كبير من التوربينات الإثيوبية، أو بسبب انخفاض مخزون السد عن منسوب المفيض العلوي الذي يسمح بمرور تدفقات مائية كبيرة.

وحذر علام من خطورة الإصرار الإثيوبي على إدارة وتشغيل السد بشكل أحادي ومنفرد، مؤكداً أن هذا المسلك يتسبب في أضرار بالغة للجميع، حيث يغيب تماماً التنسيق المشترك الذي كان يمكن أن يتيح للسودان الاستفادة من مخزون سدوده لمواجهة أي تراجع في إيراد النيل الأزرق، في حين تفتقر مصر لأي معلومات استباقية تمكنها من تقليل التداعيات السلبية.

واختتم علام مشدداً على أن التعاون المشترك هو الممر الإجباري الوحيد لتحقيق رفاهية واستقرار شعوب حوض النيل، وخاصة في مصر والسودان وإثيوبيا، لاستغلال هذه الثروة المائية التي حبانا الله بها.

تهديد الأمن الغذائي

من جانبه، رسم هاني الجمل، نائب مدير مركز "تفكير" للدراسات والشؤون السياسية، سيناريو قاتماً لتداعيات انحسار المياه، واصفاً إياه في تصريحاته لـ "العربية.نت" و"الحدث.نت" بأنه تهديد وجودي مباشر للأمن المائي والغذائي بالسودان.

وأوضح الجمل أن خطورة هذا الانحسار تكمن في كونه جزءًا من معادلة مائية معقدة وغير متزنة يديرها السد الإثيوبي، والتي قد تتحول فجأة من حبس المياه إلى إطلاق كميات هائلة منها بشكل غير منسق، مما يهدد بحدوث أزمة طاقة وغذاء نتيجة جفاف مساحات شاسعة من الأراضي التي تعتمد على الري الفيضي، وهو ما يضرب المحاصيل ويفاقم معدلات الجوع، بالتوازي مع تراجع كفاءة محطات توليد الكهرباء السودانية.

كما حذر من خطر "التسونامي النهري" والتدفقات المفاجئة وغير المنسقة التي قد تصل إلى 750 مليون متر مكعب يومياً، مما يرفع منسوب النيل بالخرطوم لمستويات قياسية تهدد بانهيار السدود السودانية كـ "سد الروصيرص" وإغراق مناطق كاملة، ناهيك عن خطر التصحر وتراجع خصوبة التربة لحرمان الأراضي السودانية من الطمي الغني بالمغذيات الطبيعية.

ويرى الجمل أن الحل يتطلب تحركاً على مسارين متوازيين؛ الأول هو المسار الدبلوماسي والقانوني بالضغط الدولي على أديس أبابا للالتزام بالاتفاق الإطاري، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، ويضمن إنشاء قناة اتصال دائمة ومباشرة لتبادل البيانات وتنبيه الخرطوم مسبقاً، مع اعتماد آلية تشغيل مرنة ومظلة دولية محايدة لفض النزاعات.

أما المسار الثاني كما يقول الجمل فيتعلق بالبنية التحتية للسودان عبر العمل الفوري على تعلية وتدعيم السدود القائمة مثل الروصيرص وسنار لتحمل التدفقات المفاجئة، والتوسع في بناء سدود تخزينية جديدة على النيل الأزرق، بجانب تحديث أنظمة الرصد والاستشعار عن بعد للتنبؤ الدقيق بآثار تشغيل السد الإثيوبي.

واختتم الجمل حديثه بالإشارة إلى أهمية تحويل السد الإثيوبي من بؤرة صراع إلى رافعة للتكامل الإقليمي عبر ربط شبكات الكهرباء وتصدير الطاقة لتبادل المصالح المشتركة، مستدركاً بأن هذا المسار التعاوني ما زال يصطدم بعراقيل سياسية تقودها حكومة آبي أحمد.

أزمة سد النهضة

تضرب جذور أزمة سد النهضة الإثيوبي عمق العلاقات بين دول حوض النيل منذ عام 2011، حيث تبني أديس أبابا السد على النيل الأزرق المورد الرئيسي لنهر النيل دون تنسيق مسبق مع دولتي المصب.

وتخشى مصر، التي تعاني شحاً مائياً وتعتمد على النيل في 97% من احتياجاتها، من تراجع حصتها التاريخية وأثره على رقعتها الزراعية، بينما يتأرجح السودان بين مخاوف انهيار سدوده ومخاطر الفيضانات المفاجئة، والفوائد المحتملة لتنظيم تدفق المياه.

وعلى مدار أكثر من عقد، تعثرت كافة المفاوضات والوساطات الدولية بسبب إصرار إثيوبيا على المضي قدماً في عمليات الملء والتشغيل الأحادي دون التوقيع على اتفاق قانوني ملزم يحكم تلك العمليات خصوصاً في أوقات الجفاف، مما حوّل السد من مشروع تنموي إلى بؤرة توتر جيوسياسي تهدد الاستقرار والسلم والأمن المائي والغذائي لقرابة 150 مليون مواطن في وادي النيل.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.