تعفن الدماغ
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
اختار قاموس أوكسفورد مصطلح «تعفن الدماغ» مصطلحا للعام 2024م، بعد أن صوت عليه أكثر من 37 ألف صوت من مجتمع جامعة أوكسفورد على مستوى العالم. وأشار القاموس إلى أن هذا المصطلح قد تجاوز استخدامه هذا العام ما يزيد على 300% عن الأعوام السابقة. وبناء عليه فسر القاموس على موقعه الإلكتروني معنى مصطلح «تعفن الدماغ» وجذوره، ونشرت مقالات ودراسات عديدة تحلل تمثلات المصطلح ونتائجه السلبية على الفرد.
واستنادا إلى تعريف قاموس أكسفورد لمصطلح «تعفن الدماغ»، فإنه يشير إلى الحالة الذهنية والعقلية التي يمر بها الدماغ عند تعرضه لكم كبير متوالي من المواد الإلكترونية متدنية المستوى، أو حسب وصف القاموس «غير صعبة». ويؤكد القاموس والباحثون على أن حالة «التعفن» هذه لا تشير إلى أي عرض جسدي أو بيولوجي يصيب الجسم أو الدماغ تحديدا، وإنما هو وصف رمزي للآثار السلبية التي تصيب الإنسان نتيجة استهلاكه محتوى مكثف «تافه» على الانترنت، حيث يصاب المرء بصعوبة التركيز وانخفاض الإنتاجية العامة في العمل أو المنزل، ويؤدي إلى الشعور بعدم الرضا أو الذنب نتيجة الوقت الضائع في تصفُّح الإنترنت. ويمكن أن يؤثر الأمر أيضاً على الصحة العقلية، مما يساهم في الشعور بالتوتر أو القلق أو الافتقار إلى الهدف في الحياة.
وأشارت إحدى الدراسات إلى وجود منطقة في الدماغ تسمى «العنان» وهي مسؤولة عن اتخاذ القرارات، وإن تنشيط هذه المنظفة في عمليات التصفح المستمر والسريع للمحتوى «الهابط» يؤدي إلى حالة إدمان وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يمكن لهذا الجزء من الدماغ أن يجعل التوقف عن التمرير «مؤلمًا للغاية».
أكثر ما شد انتباهي في المقالات التي تناولت هذا الموضوع، هو أن حالة «تعفن الدماغ» وبمرور الوقت تصعب على الأشخاص التركيز على الأنشطة ذات المغزى أو التوصل إلى أفكار عميقة. وهو وضع نواجهه فعلا في هذا الوقت. فبخلاف ما كنا نتصور بالثراء والتعددية في مصادر الأخبار والمعلومات التي توفرها لنا وسائل التواصل الاجتماعي، فإن ما حصل فعلا هو القبول الاستهلاكي للأفكار النمطية، وتمكن تلك المنصات من فرض حالة من هيمنة الأفكار والقيم التي يتبناها الأفراد بكل سلاسة عبر سلسلة «التصفح والتمرير» المكثف التي تسيطر على الدماغ وعلى أساليب التفكير.
وأشار قاموس أوكسفورد أن المصطلح ليس جديدا، فقد ذكره أو ل مرة الكاتب الأمريكي «هنيري ديفيد ثورو» عام 1854 في كتاب Walden أو «الحياة في الغابات»، منتقدا ميل المجتمع إلى الأفكار البسيطة على حساب الأفكار المعقدة، معتبرا هذا الميل مؤشرا واضحا على انحدار الجهد العقلي والفكري لدى البشرية، قائلا: «بينما تسعى إنجلترا إلى علاج تعفن البطاطس، ألن تسعى إلى علاج تعفن الدماغ الذي ينتشر على نطاق واسع وأكثر فتكا؟».
مصطلح العام 2024م الذي سينصرم بعد بضعة أيام هو «تعفن الدماغ». ولكن، ألم تتعفن أشياء أخرى مع الدماغ؟ ألم تتعفن، أيضا، الأرواح والضمائر أمام الكثير من قضايا العصر ومآسيه؟
نقلا عن "الأيام" البحرينية