نهاية اليسار العربي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مع سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد الشهر الماضي، سقط آخر معاقل اليسار العربي من خلال اغلاق أبواب مقر حزب البعث العربي السوري في دمشق؛ كما سقط حزب البعث العراقي عام ٢٠٠٣ مع سقوط صدام حسين علي يد قوات التحالف. وفي ظاهرة تستحق الدراسة والتعمق، يجب علينا ألا نغفل عن سقوط الأحزاب السياسية العربية بسقوط رؤسائها، باختلاف توجهاتها ومشاربها الفكرية.
وبزغ نجم حزب البعث في فترة الثورات العربية التحررية وانتشار ما يعرف اصطلاحا باليسار نسبة للأفكار الداعمة للثورات ودعوات التغيير الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتأسس الحزب عام ١٩٤٧ في دمشق على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي. وتبنى الحزب مفهوم البعثية، في رمزية للنهضة وهي خليط من القومية العربية والوحدة العربية والاشتراكية ومعاداة الإمبريالية. كانت أدبيات الحزب تهدف لتوحيد الوطن العربي في دولة موحدة شعارها "وحدة، حرية، اشتراكية". في البداية، اندمج حزب البعث العربي مع حركة البعث العربي بقيادة الأرسوزي، ثم اندمج لاحقًا مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني ليشكل حزب البعث العربي الاشتراكي. سرعان ما أنشأ الحزب فروعًا في الدول العربية الأخرى، لكنه لم يصل إلى السلطة سوى في العراق وسوريا (اللتان رسمتا أكبر مثال للنزاع الحزبي).
أما اليسار كمصطلح متداول فأتى نتيجة للتقسيم المتبع في البرلمان الفرنسي منذ القرن السابع عشر، والذي أقر عرفا بجلوس كل كتلة في جهة مختلفة من قاعة المجلس، فكانت جهة اليمين من نصيب المحافظين، والوسط للمرنين والمتعاونين مع جميع الأطراف، أما اليسار فكان من نصيب من كانوا يطلقون على أنفسهم بالتنويريين، المرتبطين فكريا بالاشتراكية والليبرالية بشكل عام. وأصبح مصطلح اليسار شائعا بشكل كبير بعد انضواء العديد من المدارس الفكرية المرتبطة بالاشتراكية والليبرالية حتى أصبح المنتمين لهذا الفكر يطلقون على أنفسهم يساريين. وظاهرا حارب اليساريون ما كانوا يسمونه بالامبريالية الغربية، مستعينين بدول توسعية شرقية كروسيا.
وتستند الأحزاب اليسارية أيدلوجيا على مزيج من الأفكار الاشتراكية، القومية والتقدمية التي تطورت استجابة للسياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي بشكل عام، ورغم تباينها الفاقع الا أنها انضوت لاحقا مع ظهور الإسلام السياسي في بوتقة واحدة خصوصا مع انحسار الجماهير وابتعادها عنه. ويجتمع الفرقاء اليساريون على الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وتقليل الفجوة بين الطبقات، والقومية حيث يرتبطون تاريخيا بالحركات القومية المناهضة للاستعمار. ينادون أيضا بالديمقراطية والحقوق المدنية، والعلمانية (ليس الكل، لكن الاغلب) وفصل الدين عن الدولة، ومناهضة الامبريالية والصهيونية (مع ان الشيوعيين منهم لديهم ارتباط قوي مع الأحزاب الشيوعية في إسرائيل).
وتراجعت شعبية التيارات اليسارية في العالم العربي بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي وسيطرة العولمة والرأسمالية على المجتمعات من خلال الاقتصاد حتى أصبحت دول كروسيا والصين (اللتان تعتبران آخر قطبين أساسيين لليسار) ذات اقتصادات رأس مالية رغم مكابرتها بخصوص التسميات. كما أن دور التيارات اليسارية في الوطن العربي انحسر بشكل كبير ليصبح تنظيريا من خلال نواد منغلقة على نفسها وبأعداد قليلة، أغلبها ورث العضوية. كما أنه ومع صعود نجم الإسلام السياسي وطبيعة المجتمعات المحافظة شهدنا جميعا توجه تلك الحشود لها. وهي أمور أدت لانعزال الفكر والمفكرين عن المجتمع حتى أصبحوا منظرين بعيدين عن الواقع، كما ذكر الدكتور مصطفى محمود في كتابه "سقوط اليسار" حيث أسهب في ذكر سقوطهم من حسابات واهتمامات الناس ليس في مصر وحسب وإنما في الاتحاد السوفيتي ذاته معقل الشيوعية.
ويرجع هذا الانحسار والتراجع لعوامل عدة أولها عدم تحقيقهم لما ينادون به، فكل الثورات التي قاموا بها انقسمت بين عدم نجاح الثورة او بسبب التسلط والتصرف بوحشية أكبر من نظام الحكم المطاح به. كما أن النزاع بين حزبي البعث العراقي والسوري يمثل أهم مرتكز في هذا الطرح. نعم، سقط الحزبان لاحقا بسبب التدخل الغربي المباشر كما هو الحال في العراق، وغير مباشر كما حصل في سوريا مؤخرا؛ لكن ذلك لا يعني ان الشعوب التي حكمت من قبل الحزبين كانوا راضين عنهم، بل كانت الشمولية هو السمة الأساسية للحكم.
وما أدى أيضا لسقوطهم كان اختيارهم للدخول في حروب ونزاعات كما حصل مع صدام حسين في حربه مع إيران وغزوه للكويت. ولعبت الصراعات الداخلية في الأحزاب دورا كبيرا في التركيز على شؤون الحزب بعيدا عن التركيز على إدارة الدولة بسبب الفساد والمحسوبيات وظهور مجموعات معارضة من الداخل الحزبي أيضا. وكان لسوء إدارة الموارد نصيب كبير أيضا في تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي. ويبقى السؤال المهم اليوم، هل ستبقى الأحزاب والايدلوجيا اليسارية في وطننا العربي رغم سقوطها في منابعها؟ أم سيتأقلم أصحابها ويطورون من توجهاتهم وأفكارهم ليضمونا استمراريتهم بعيدا عن التسلح والسير عكس المسار العام؟