وجوه البحرين الحبيبة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في أحد اجتماعات «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية»، قال لي الصديق العزيز الأستاذ الدكتور سليمان الشطي عبارته الوجيزة: «هذا زمن ثقافي صعب، ومن يعمل فيه، فعليه أن يكون فدائيًا!».
ما زالت تلك العبارة تأتيني بين آن وآخر، وليس ما يبدد وقعها سوى بعض لقاءات متناثرة مع أصدقاء من أهل الكلمة والفكر والثقافة هنا أو هناك. علمًا بأن المناسبات الثقافية وحدها باتت ملاذًا للكتّاب العرب، فمن خلالها تتجدد لقاءاتهم، وعبر جلساتها تتنفس أرواحهم شوقها للوصل الإنساني الأدبي الثقافي الأجمل. وهذا عينه ما حصل لي خلال زيارتي القصيرة جدًا للبحرين!
لم تكن الزيارة من تخطيطي، بل هي ابنتي التي تشتاق لصديقاتها في البحرين وتودّ زيارتهن، وأنا مرحَّب بي جدًا من طرفها كوني المموّل المالي لمشروع الزيارة! أخبرت الصديق العزيز الدكتور فهد حسين بقدومي، فبادرني: «أهلًا وسهلًا»، قالها بحب صداقةٍ أعرفها، وأضاف: «سأنتظرك في المطار!». بينما ردَّ عليَّ العزيز قاسم حداد: «سوف يسعدني أن أراك. تنوّر المكان، يبقى أن الصحة يتوجب أن تسعفني. دعنا على اتصال للاطمئنان على ذلك».
للبحرين حبُّ يمسّ روحي، ولها طبيعة اجتماعية خاصة بها لا تشبه غيرها. وفي ظل رتم وقتٍ راكض، وأخبار وقضايا إنسانية جديدة لا تتوقف، ووسائل تواصل اجتماعي تقذفنا بأخبارها وصورها على مدار اللحظة. صار مُستحبًّا السفر بين آن وآخر، بالرغم من مشاقه عليَّ!
في مركز «صفيّة كانو للفنون» كان لقاؤنا الأول. مركز ثقافي وصالة عرض أعمال تشكيلية، ومقهى صغير دافئ يحتضن لقاء الأحبة بين لوحاته الفنية، بينما رائحة القهوة تعطّر المكان. منذ اللحظة الأولى، وبحضور كوكبة من الصديقات والأصدقاء المبدعين والمثقفين الذين يمثّلون «مختبر سرديات البحرين»، ومع تقابل النظرات شعرت بشوقي الدفين للقاء أصدقائي، وكيف أن وجودهم من حولي يشعرني بفرح طفولي لذيذ!
سرعان ما دارت الأحاديث الثقافية حول الكتابة والقصة والرواية والشعر والنشر والجوائز، ودارت بيننا إهداءات الكتب، وكلٌ متشوّق لسماع رأي الآخر. ولحظتها دار ببالي: كم هي مؤلمة اللحظة العربية الماثلة! وكم هي متغيرة! وكيف أن كل ما فيها يُنبئ بأن وطننا العربي، وخريطة الشرق الأوسط تجتاز مُنعطفًا سياسيًا اقتصاديًا اجتماعيًا حادًا، وأن ما هو قادم مغاير تمامًا لما كان. ووسط جميع هذا ليس لروح الكاتب والأديب والمثقّف العربي من ملجأ إلا لقاء الأصدقاء وتبادل الرأي والنقاش معهم!
لكل بلدٍ وجوه متعددة تشبهه وتدلّ عليه. وللبحرين وجوه كثيرة تدلّ عليها، لكن حميمية الودّ الإنساني الطيب تأتي في المقدّمة من وجوه البحرين الغالية. وهذا ما شعرت به وزوجتي وابنتي حيثما ذهبنا طوال تجوالنا في باب البحرين وسوق المنامة، ومرورنا بجلستنا في مقهى «حاجي»، وزيارة «سوق البراحة»، وأماكن كثيرة، فحين تكون في البحرين فأنت دائمًا في القرب من ودِّ وترحيب أهلها (الأطيب)!
تجدد لقائي بالأصدقاء في اليوم التالي، وكان أن حضر معنا الصديق العزيز الدكتور حسن مدن، ودارت بيننا أحاديث الثقافة والسياسية، بينما كاميرا الصديق عباس عبدالله تتابعنا وترصد نظرات عيوننا المُحبّة.
يومان مرّا سريعًا في البحرين، لكني عدتُ بخفق قلبٍ مليء بالمحبة، وزوّادة ثقافية إنسانية كبيرة!
لكم محبتي وشوقي الدائم أيها الأصدقاء، فأنتم بالنسبة لي وجه البحرين الأحب والأجمل!
نقلا عن "القبس" الكويتية