الأقليات في البلدان العربية

عثمان الماجد
عثمان الماجد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

بدايةً، ومن باب التقدير والاحترام لكل من آمن ولا يزال بنشيد «بلاد العُرب أوطاني» وبصدق ما تعنيه كلمات هذا النشيد، عليّ أن أنوه إلى أن العنوان المذكور أعلاه قد لا يكون مقبولاً لديهم، وقد يرون فيه ضربًا من التنمر وتجاوزًا لحدود اللياقة والتأدب؛ لأني اخترت مسمى البلدان العربية الذي أراه معبرًا بصدق عن واقع الحال في سود أيامنا هذه بديلاً عن مصطلح «الوطن العربي» الذي تربينا عليه وأصبح مصدر اعتزاز وفخر ولازمة قومية لهذه الجغرافية الممتدة من المحيط الأطلسي غربًا إلى الخليج العربي شرقًا. وقد كانت هذه الجغرافيا الرحبة في يوم ما من أيام التاريخ الحديث جزءًا من الدول الإسلامية المتعاقبة وبعدها من الدولة العثمانية إلى أن آل المآل إلى ما نحن نرى من تبعثر وتشظٍ عصف بكثير من هذه البلدان ليغدو الوطن الواحد مشروعًا لمجموعة أوطان، وهو ما تشي به الأحداث العاصفة في بلدان مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق، وحتى لبنان، هذا البلد الصغير الذي حكمت عليه أقدار التاريخ أن يكون متعددًا إثنيًا وطائفيًا.
أعيد هنا وأكرر القول إنه كان بودي أن يكون عنوان المقال «الأقليات في الوطن العربي»، ولكن أين نحن اليوم من هذا الوطن العربي، وأين هذا الوطن منا؟! ماذا تبقى من هذا المفهوم بعد كل الذي جرى ويجري دونما توقف لإفراغ هذا المفهوم من محتواه الجامع؟! لا شيء أبدًا يشي بأن ما يضمنا هو وطن عربي واحد. كانت جامعة الدول العربية أحد المرتكزات القومية التي كان فيها العرب يبدون متضامنين ولو في الشكل، أما اليوم فهي فاقدة التأثير، بل يُستغرب من وجودها حتى الآن جسدًا بلا روح يُنفق الرواتب ولا تصدر منه إلا بيانات التنديد والاستنكار والقلق العميق. وفلسطين التي كان من المؤمل أن توحدنا ما عادت نقطة ارتكاز في هذا الموضوع، بل على العكس أضحت مصدر دمار لكثير من البلدان العربية ونقطة اختلاف وتشابك وتلاسن تستثمر فيها إيران ما يعزز مكانتها ويحقق مصالحها. واقع الحال، وبمنطق الفاعلية والنجاعة، ينبئنا بأنه لا يوجد في «بلاد العرب» إلا كيان سياسي واحد فاعل لا شريك له في الجغرافيا العربية هو مجلس التعاون الخليجي الذي نجح في أن يتجاوز مختلف محن التفرقة، وهو إطار وحدوي يفرض حضوره في المشهدين الاقليمي والدولي، وله وزنه الاستراتيجي وكلمته مسموعة، وتجربة يُفترض أن تقتدي بها بقية الدول العربية إقليميا؛ لأن عالمنا اليوم بات عالم التحالفات والتجمعات الإقليمية، ولا قدر فيه للمنفردين إلا الهوان أو الضياع في دوامة أعاصير السياسات الدولية ومصالح الدول العظمى.
على أي حال، ما تقدم ليس موضوع مقالنا ولا هو جوهر ما نود أن نتعاطاه بالنقاش، وإن كنت قد أطلت في التقديم، وإنما الحديث هنا يدور حول الأقليات العرقية والدينية التي تعيش في معظم البلدان وتتشارك معنا العيش على هذه الجغرافيا، فالأقليات هي هدفنا وموضوعنا الذي من خلال تناوله يمكننا وضع اليد على شيء من الهوان الذي أصاب أمة العرب، بحكم أن هذه الأقليات قد تشكل مدخلاً سهلاً للقوى الخارجية في سعي بعضها إلى إبقاء البلدان العربية ضعيفة مفتتة مستسلمة يسهل سلب قرارها الوطني وربطه بمصالح تلك القوى، وبهذا ومثله صارت هذه الأقليات المنتشرة على كامل الجغرافيا العربية تُستخدم حطبًا لإشعال المنطقة وتبديد مقدراتها وكسر عزيمة أبنائها وقدراتها على استنهاضها وشد عصبها.
الأقليات العرقية والدينية لم تكن يومًا طارئة في بلداننا، وحضورها في هذه البلدان ضارب في أعماق التاريخ، بل إن وجودها ضمن النسيج الاجتماعي المكوّن للدول العربية أضفى على هذه الدول فرادة وتنوعًا كثيرًا ما وُظفا في خدمة التنمية الاجتماعية والثقافية والحضارية لهذه الدول من المحيط إلى الخليج، ولكن الطارئ في هذه البلدان هي الإيديولوجيات المتطرفة التي تستنكف عيش هذه الأقليات في المجتمعات العربية تحت عناوين مختلفة يجمع بينها تصلب هذه الإيديولوجيات ونبذها الآخر المختلف. ولعل أهم هذه الإيديولوجيات الطارئة سرطان الإسلام السياسي، فمن رحم الإخوان المسلمين تناسلت جماعات أصولية تدرجت في إظهار صورتها الحقيقية حتى أعلنت إرهابها على كل الأقليات، معتبرة كل بلاد المسلمين للمسلمين فقط، ومن رحم الولائيين المؤمنين بولاية الفقيه الخمينية ظهرت فكرة أشد تطرفًا تجاوزت في منطقها الإقصائي نبذ أصحاب الأديان الأخرى غير الإسلامية لتشمل إسلام السنة والخوارج والمتصوفة.
التاريخ يحدثنا عن تعايش هذه الأقليات الدينية والعرقية الإثنية في البلدان العربية، فخذ على سبيل المثال الآشوريين والبابليين في العراق فهم موجودون منذ آلاف السنين، وكذلك الأمازيغ «البربر» في المغرب العربي، والمسيحيون واليهود فقد كانوا منذ القدم يتقاسمون العيش معنا في الخليج وفي المشرق العربي وفي مصر والسودان ودول أفريقيا العربية. فما الذي حدث وجرى، لولا التعصب العرقي والمذهبي والديني، حتى تستعين الأقليات بدول ومؤسسات أجنبية ودولية لتوفر لها الحماية. فما دواعي تدخل فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا في السياسات الداخلية للبنان، لولا أنهم وجدوا قوى سياسية ممثلة في «حزب الله» تفرض على المكونات اللبنانية الأخرى أجندات إيرانية؟ وقس على ذلك حالة الدروز في سوريا، والمسيحيين في السودان، فهاتان الطائفتان أصبحتا هدفًا لحملات كراهية تجاوزت الأقوال إلى الأفعال قتلاً وتهجيرًا واغتصابًا وهتكًا للأعراض، كل ذلك بحجة اختلافهم عن الصورة النمطية المشوهة للإسلام والمسلمين.
لصد غول التفتت ووحش التخلف المتسترين بالطائفية والعنصرية؛ فإن بلداننا، في اعتقادي، لا تحتاج إلا إلى ترسيخ فكرة المواطنة وتحويلها إلى سلوك مرجعي، فبهذا وحده تبقى بلداننا العربية حافلة بتنوعها الاجتماعي والديني، قائمة على كيانات سياسية واقتصادية واجتماعية متماسكة اجتماعيًا، قادرة على مواجهة التبدلات والتحولات الجيوسياسية الحاسمة التي يعيشها العالم أيامنا هذه.

نقلا عن "الأيام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط