الهجوم على قطر.. بين حسابات إسرائيل وضغوط الدبلوماسية ا

عبدالله السيد الهاشمي
عبدالله السيد الهاشمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

لم يكن استهداف إسرائيل لقيادات من «حماس» في الدوحة مجرد حدث أمني عابر، بل محطة فارقة في مسار معقد تتداخل فيه الحسابات الإسرائيلية مع المواقف الأميركية والوزن الدبلوماسي الخليجي. فالضربة التي استهدفت أرضاً خليجية، وأثارت موجة استنكار واسعة، دفعت واشنطن إلى إعلان امتعاضها من الخطوة الإسرائيلية، فيما سارع مسؤولون في تل أبيب إلى إنكار علمهم المسبق بالعملية. هذا التباين بين العلن والواقع يعكس حقيقة أعمق: أن المعادلات لم تعد كما كانت، وأن الخليج بدأ يفرض نفسه كلاعب لا يمكن تجاهله.

من الناحية الأميركية، جاءت تصريحات ترامب وفق ما نقلته الصحف لتكشف عن إحباط واضح من تجاوز إسرائيل للتنسيق المسبق، وهو ما أحرج واشنطن أمام حلفائها الخليجيين. صحيح أن أمن إسرائيل يظل أولوية مطلقة في العقل الاستراتيجي الأميركي، لكن الانزعاج العلني يعكس إدراكاً متزايداً بأن العلاقات مع دول الخليج لم تعد هامشية، وأن تجاوزها يضر بمصالح واشنطن ذاتها. الولايات المتحدة، وهي القوة الحاضرة عسكرياً في المنطقة، تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة الدقيقة بين حماية تفوق إسرائيل التقليدي من جهة، والحفاظ على شراكاتها الخليجية من جهة أخرى. أما على الجانب الإسرائيلي، فقد بدا إنكار كبار المسؤولين علمهم بالعملية محاولة مكشوفة لامتصاص الغضب وتخفيف التكلفة السياسية والدبلوماسية. إسرائيل تمارس سياسة مزدوجة: تعترف ميدانياً بالفعل عبر نتائجه الواضحة، لكنها تتنصل سياسياً لتجنب ضغوط إضافية. هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فهي جزء من عقيدة «الاستباق والإنكار» التي تبنتها تل أبيب منذ سنوات، والتي تقوم على الضرب المسبق وحرمان الخصوم من الملاذات الآمنة. الجديد هنا أن العملية جرت في قلب عاصمة خليجية، ما جعل صداها أوسع وأشد وقعاً على الساحة الدولية.

البعد الأهم في هذه المعادلة هو ما مثّله الثقل الخليجي. فمجرد أن واشنطن وجدت نفسها مضطرة لإبداء الامتعاض، وأن إسرائيل لجأت إلى التبرير والإنكار، يعني أن هناك تكلفة فرضتها البيئة الخليجية لم تكن موجودة سابقاً.

لم يعد الخليج متلقياً للضربات والرسائل، بل أصبح قادراً على دفع الآخرين إلى إعادة حساباتهم. هذا التحول لا يعني أن الدبلوماسية الخليجية حققت نجاحاً كاملاً في ردع الاعتداءات، لكنه يوضح أن صوت المنطقة بات حاضراً في الحسابات الكبرى، وأن أي تجاوز لسيادتها لن يمر دون ثمن سياسي أو إعلامي. ما جرى في الدوحة يعكس حقيقتين متناقضتين: الأولى أن إسرائيل ما زالت قادرة على استباحة أجواء المنطقة متى شاءت، وأن الفجوة في منظومة الردع العربية ما زالت قائمة.

والثانية أن الاستهجان الخليجي لم يعد بلا وزن، بل صار جزءاً من المعادلة التي تحسب لها واشنطن وتل أبيب حساباً. هذه المسافة بين الفعل والرد تمثل المجال الذي ينبغي على العرب البناء فيه: الانتقال من بيانات الشجب الروتينية إلى منظومة دبلوماسية وقانونية وإعلامية تجعل أي استهداف مستقبلي أكثر تكلفة وأشد تعقيداً.

الخليج اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل هذه اللحظة من مجرد رد فعل إلى قاعدة لسياسة ردع متراكمة. النجاح لا يقاس بقدرة إسرائيل على تنفيذ ضربة، بل بقدرة العرب على جعل ثمنها السياسي أكبر من فائدتها العملياتية. والرهان الحقيقي يكمن في أن تتحول الدبلوماسية الخليجية من صوت عابر إلى منظومة ضغط استراتيجية، تحمي السيادة وتصنع بيئة جديدة تفرض على الآخرين التفكير مرتين قبل أي مغامرة. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل نملك الإرادة لنحوّل هذا الزخم إلى استراتيجية دائمة، أم نتركه يتبخر في فضاء الاستهجان العابر؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط