الكويت من أحكام التضامن.. إلى مسار المصالح

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

هذا المقال يشير الى التموجات، التي ساهمت في تبدلات الدبلوماسية الكويتية المهمومة بتحقيق التضامن العربي، الى العناية بتحقيق المنافع الكويتية، وتعظيم الترابط مع الدول عبر اتفاقيات متنوعة سياسياً واقتصادياً وسياحياً، وفوق ذلك التواصل مع الشركات العالمية المتخصصة في مختلف أنواع الاستثمار، لتجد لها مقعداً في الكويت، ناقلة أحدث الأساليب في تنفيذ المشاريع، التي تسعى الكويت إلى توطينها. والواضح في خريطة التحديث الكويتي الداخلي أن من أولويات الفصل الحالي هو الانفتاح في تنوعات الاستثمار، التي تجيدها الشركات الاجنبية، وبتأكيد هذا التوجّه عبر لقاءات سمو الأمير، وتشجيعه لهذه الشركات لكي تبني لها مقراً في الكويت، مترجماً العزم على الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، متقبلاً الأعباء، وعارفاً بأثقالها. والواضح أن القيادة العليا مدركة للتبعات، ومستعدة لتجاوز الصعوبات مهما ثقلت، مؤمنة بالاستجابة لشروطها وأعبائها في سبيل المنافع، التي ستكسبها الكويت من هذه المستجدات، التي يفرضها التحول الاقتصادي.
ولا شك بأن هذه التحول الذي تشهده الكويت لم يكن متوفراً في القرن الماضي، حيث الانشغال كان لتأمين استقرار الكويت، وتواصل حيويتها في الإطار العربي، الذي كان موقعها المفضل في السنوات الممتدة من 1961–1990، ولابد من استذكار الواقع الأمني للكويت في تلك الفترة، حيث تواصلت في التزامها بالقرارات العربية، التي فرضت عليها شروطاً، أهمها عدم الاعتماد على الدول الكبرى في تأمين استقرارها، والحفاظ على استقلالها وسيادتها، وحصر نشاطها السياسي والأمني في الإطار العربي.

ظلت الكويت بلا غطاء أمني يعزز امكانياتها الدفاعية من منتصف 1961 حتى أغسطس 1990، وكان محور فعاليتها الدبلوماسية مركزاً على تأمين الصفاء في العلاقات العربية، مع القناعة بأن هذا الصفاء عامل حيوي في الحفاظ على استقلال الكويت. كانت مرحلة مكلفة في جهودها، وفي عدم اليقين في نجاحها، ولكنها ضرورة في دبلوماسية الكويت قبل الغزو.

كنت أعد محاضر لقاءات المرحوم الشيخ صباح الأحمد مع السفير العراقي المتواجد في الكويت، خلال الستينيات واوئل السبعينيات، وأحرص على عدم انتشارها، لأنها لا تريح القارئ الكويتي، فنغمة التعالي واستصغار الموقف الكويتي، والتعامل بغلاظة ليس من السفير، وانما من التعليمات الواردة التي لا توفر الاطمئنان، وتؤكد اليقين بأن طريق المستقبل مملوء بالمطبات. كانت الهموم كبيرة، والتفاؤلات صغيرة، والتواصلات مرهقة، ليس فيها ما يريح، وأبرز حصيلتها وتأثيرها علينا غياب الثقة وصعوبة الاطمئنان، ويعود السبب لذلك الارهاق الى غياب الرادع الذي يحمي الكويت. كانت الكويت مكشوفة، ووظف المسؤولون في العراق هذا الانكشاف، ورغم المساعي الهادئة التي تبذل لتلطيف الأجواء، فقد كان الأمل للوصول الى حل مقبول ضعيفاً. كان الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، على وعي بغياب الوصفة الممكنة لحل المشكلة، التي تولدت من عدم قناعة قيادات العراق بضرورة ترسيم الحدود. كان النظام عسكرياً محدوداً في ذهنيته السياسية، وفي أسلوب تعامله في ثقافة التعاطي بين الدول. كانت سنوات من 1961 إلى 1990 مؤلمة للقيادة الكويتية، ولانعكاستها على الكويت وعلى دبلوماسيتها، فلم يكن لها تحالف مع القادرين من الأصدقاء، وفرضت عليها أثقال الدبلوماسية العربية، التي تعيش فيها الجامعة العربية، وتمكنت من التأثير على سلوك الكويت الدبلوماسي في التحفظ على الانفتاح مع الدول الكبرى، لاسيما بريطانيا والولايات المتحدة، حيث انحصر التواصل معهما في تواجد السفارات بلا حميمية. في عام 1988، زار السلطان قابوس، سلطان عمان، واشنطن في زيارة رسمية، تحدّث معه الرئيس الامريكي جورج بوش (الأب) عن العلاقات مع مجلس التعاون، أثنى الرئيس الامريكي جورج بوش عليها، مع تساؤل عن مسببات برود الكويت مع واشنطن، واستفسر عن المسببات، والمهم أن وزير خارجية عمان، السيد يوسف العلوي، نقل لي شخصياً رسالة الرئيس الامريكي جورج بوش، الذي يستفسر عن برود الكويت، واقترحت عليه أن ينقل هذا التساؤل الى الشيخ صباح الأحمد، حيث كنا في اجتماع مجلس التعاون في الرياض، واعتذر خوفاً من عدم التقبل. نقلت تلك الرسالة الى المرحوم الشيخ صباح الأحمد، وتبقى الكويت على حالها غير قادرة على صد العدوان، لأنها بلا حليف من الدول الكبرى، والحقيقة ان الغزو البليد فجّر الصحوة الكويتية، التي لن تستغني عن الحليف البريطاني، الذي تعايش معها، ولأكثر من مئتي سنة، وبأمس الحاجة الى الفاعلية الامريكية التي تجمعنا معها شبكة كبيرة من المنافع والمصالح المتبادلة. ولاشك بأن الصحوة الأمنية، التي استحضرت التحالف الكويتي – الامريكي – البريطاني، ستظل فاعلة ومؤثرة لأمد طويل الى أن تتغير خلالها تركيبة الأقليم المتوترة والبعيدة عن الاستقرار.

ومن هذا الواقع، الذي سجلة تاريخ الكويت الحديث، تأكدت الحقيقة التي لابد من الاقتناع الجماعي بها، فالكويت لا ترتاح دون رادع يؤمنه الشركاء الاستراتيجيون، الذين تكيفوا مع التزاماتهم، فجاءت المساهمة في تحرير الكويت من مأساة الغزو، وارتبطت الكويت دفاعياً وردعاً مع بريطانيا والولايات المتحدة، وأكد هذا التحالف الإستراتيجي حق الكويت في التمتع بالانطلاق نحو التطور الجامع، وفي كل المسارات التنموية، لتصبح الكويت متجلية في ارتياحها، نقلت أبناءها الى مرحلة يتسيدها التجديد في كل الجوانب، ويزينها الأطمئنان، الذي تولد من ضرورات التحالف الإستراتيجي.

سجل الكويت في هذا الفصل هو تأكيد توجّه القيادة لاستضافة الشركات الكبرى، القادرة على نقل المعرفة في جميع جوانبها الى الكويت، وقد سجل سمو الأمير ملامح التعاون عبر لقاءاته مع الشركات الكبرى، مالكة المعرفة والمشهورة بالهمة الجامعة. تخلصت الكويت من أثقال التهديدات، ومن القيود التي صنعتها أزمة عام 1961، وبعد عناء مؤلم تمثّل في مأساة الغزو، اختارت الوصفة الضرورية لتحالفات دائمة، حصادها الاستقرار والراحة، مع تقبّل تبعات التحالف مهما ثقلت.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط