الكويت واشنطن.. علاقات فاعلة تعلو بالحميمية

عبد الله بشارة
عبد الله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

مرّت العلاقات بين الكويت وواشنطن منذ الاستقلال بفصلين، جاء الأول مع الاستقلال عام 1961، واستقر حتى عام 1990، وانتهى مع واقع الغزو في عام 1990، ومن واقعة الغزو خرج الفصل الثاني، ومازال فاعلاً في حيويته، ومؤثراً في تواجده، ومدعوماً باحتضان رسمي وشعبي، جاء الى الحياة من حكم الضرورات، ورافقته جرعات الحميمية.
كنت مديراً لمكتب المرحوم الشيخ صباح الأحمد، الذي تولى وزارة الخارجية في آخر 1963، واختارني مديراً لمكتبه في يناير 1964، الامر الذي أتاح لي معايشة المناخ الراسم لخريطة العلاقات بين البلدين، التي تميزت بدعم امريكي لمواجهة ادعاءات النظام العراقي، والحرص الفاعل على سلامة الكويت. كانت العلاقات الثنائية سليمة في محتواها، ومتنوعة في مساراتها، وودية في حواراتها، ولم يتواجد شيء يضعف مسار الود والتفاهم. وكان الاختلاف في الاجتهادات محصوراً في ملف فلسطين، من دون تأثير في نقاوة الملف الثنائي، الذي تضخم مع اتساع شبكة المصالح في جميع المسارات، ولا سيما في جوانب التعليم والثقافة والتجارة، مما أدى الى تضخم ملف التواصل حول التنسيق، وتبادل وجهات النظر، خاصة حول ملف فلسطين، والتعامل معه بعد حرب عام 1967 وهزيمة الجانب العربي، واحتلال إسرائيل الضفة وسيناء والجولان، ومنها دخل ملف فلسطين متربعاً على عرش الأولويات في دبلوماسية الكويت، الأمر الذي حمل الشيخ صباح الأحمد، وكنت معه في زيارة إلى واشنطن لمقابلة الرئيس جونسون، لشرح الموقف العربي الجماعي وأولوياته في معالجة مشكلة فلسطين، وواقع الاحتلال للأراضي العربية. لم يكن الرئيس الامريكي سخياً في مجاملته، وكان عاتباً على العرب، لدعمهم الرئيس المصري جمال عبدالناصر في التصدي لترتيبات نظمتها الأمم المتحدة، التي حققت سحب إسرائيل من سيناء المصرية المحتلة منذ عام 1956. ويستمر الموقف الكويتي في وضع ملف فلسطين في الأولويات مجادلاً في العواصم الغربية، منسجماً مع التمنيات العربية حول القضايا، وأبرزها الوصول لحل الملف الفلسطيني. وضعت دبلوماسية الكويت كل ثقتها بالتضامن العربي والتكاتف الجماعي ووحدة المواقف، مطمئنة لصفاء النوايا العربية، والالتزام بالمقدسات في الاحترام المتبادل بين الدول الأعضاء، وتولت مهمة إزالة الخلافات والتوسط بين المختلفين، إيماناً بالقيم العالية للتضامن العربي.

كنت حاضراً ومسجلاً للوقائع، ومتابعاً للجهد المضني، الذي وفره الشيخ صباح الأحمد لتجاوز الخلافات، وجاءت أثقل الملفات، التي حملها الشيخ صباح الأحمد مع الحرب العراقية – الإيرانية، رئيساً للجنة العربية للدفاع عن العراق، وكانت آخر جولاته الى اليابان بصحبة الوزير العراقي طارق عزيز.

جاء الغزو المفاجئ ليضع نهاية للقناعة الكويتية بصلابة التفاهمات السياسية العربية، لتأمين استقلال وسلامة الدول الأعضاء، وبرزت من مرارة الغزو مفاهيم مختلفة لتأمين استقلال الكويت وصون حريتها، وتلاشت جاذبية الدبلوماسية الناعمة، وجاءت مكانها ضرورات الردع الخشن، فلا يصون الكويت، ولا يؤمّن استقلالها، وحماية هويتها، سوى المبدأ الخشن والجارح، الذي هندسته الولايات المتحدة بقيادتها، ووفرت له المتطلبات، وأكثر من ذلك أن شعب الكويت، بقيادته وجميع طوائفه، استوعب مرارة التجربة الأليمة، وتشبع من مضمون العبر التي آمن بها، والمستخلصة من إهانات الغزو، وأيقن مرتاحاً بمحتوى البلاغة الأمنية، التي يوفرها الردع الفاعل، وتعالت قناعته في الصحبة اللازمة مع الولايات المتحدة، التي أدارت بفاعلية وبتصميم تحرير الكويت من القبضة اللئيمة لصدام حسين، وإعطاء الكويتيين دروساً في حقائق الإقليم المتوتر دائماً بسبب قيادات جاهلة وغير مؤهلة، ومتشبعة بالطموحات، وشاطرة في سفك دماء شعوبها تأميناً للاستمرار، هكذا كانت حالة العراق مع صدام حسين.

كان أبلغ دروس الغزو أن الكويت تعيش وتزدهر وتتحرك بارتياح مع توفير الردع المؤثر، وإذا لا تستطيع توفيره وفق امكاناتها، فالواجب الأول الذي لا يتحمل التأجيل توفير الردع الفاعل، الذي يخيف الطامع، ويحصن الهوية، ويعلو بالدور الكويتي الفاعل في الدبلوماسية الانسانية، التي وضع قاعدتها رجال القيادة الكويتية.

كان عطاء الولايات المتحدة في تحرير الكويت رائعاً في حصيلته، وعالياً في تأمين ثقة شعب الكويت بحصاده، وفوق ذلك ظل متطوعاً للبقاء في أماكن قريبة من بقع التهديدات ومن سراديب شبكة التآمرات، ولم تبخل واشنطن، فتكاثف التواجد الامريكي الرادع، شيّد مواقع تؤمن آليات الضرورة التي تحتاجها. كنت من الكويتيين القلائل، الذين زاروا القاعدة الامريكية، التي تجسد كتيبة الاطمئنان، التي يحتاجها الكويتيون، كما تملك أشواك الردع، التي تخيف الطامعين والمغامرين، وأجمل ما في حصادها يأتي من حجم السكينة والاطمئنان، وهي تجسّد المشاعر، التي تقدمها الولايات المتحدة لشعب الكويت ولقيادته، مع تقبلها للظروف التي يفرزها هذا الواقع، الذي سيتواصل طالما ظل التوتر والاضطراب في ساحة الإقليم.

دخلت الكويت مع هذا الواقع، في فصل الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومحتوياتها التواصل المستمر في حوارات لا تنحصر في الأمن فقط، وإنما في مختلف المسارات، وفوق ذلك، علينا التصرف في علاقاتنا مع الولايات المتحدة وفق الاستراتيجية، فلا نخرج إعلامياً أو سياسياً أو أمنياً عن معاني الشراكة، وهي الالتزام بأدب المصالح ومنطق الضرورات.

وهنا أود الإشارة الى أننا بحاجة الى التواصل مع الادارة الجديدة، التي لها مواقع في دول مجلس التعاون، لكنها لم تتجه نحو الكويت، ونتمنى أن نسجل تواجداً كويتياً يتوجّه الى هناك، حاملاً رسالة الكويت الى الشعب الامريكي، معبّراً عن معاني الشراكة الاستراتيجية المشبعة بالحميمية، التي تعتز الكويت بمعانيها. أمن الكويت مسؤولية أبنائها، بدعم القادرين وتبريكات الأسرة العالمية بكل ألوانها.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط