دمشق وواشنطن.. مِن العقوبات إلى الشراكة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
شهدت العلاقات الأميركية السورية تطوراتٍ ملحوظةً منذ الإطاحة بالنظام السابق في ديسمبر 2024، حيث بدأت الإدارة الأميركية بتعزيز العلاقات مع دمشق وباتخاذ إجراءات قانونية تستهدف تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد سوريا.
وفي أول زيارة لرئيس سوري للبيت الأبيض، منذ استقلال سوريا عن فرنسا عام 1946، وفي سياق التحولات الدولية التي تشهدها المنطقة، وخاصة في الملفات المتعلقة بالعلاقات الأميركية السورية، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع نظيرَه الأميركي دونالد ترامب، الاثنين الماضي، حيث تصدّرت قضايا الشؤون الاقتصادية والمصالح الأمنية ومكافحة الإرهاب، وقبل كل ذلك إعادة تأهيل سوريا اقتصادياً ودبلوماسياً، أجندةَ الاجتماع، وخاصة جهود إنهاء العقوبات المفروضة على سوريا وفي مقدمتها «قانون قيصر» لعام 2019. وتلقَّى الشرع وعداً بإلغاء القانون خلال هذا العام، وصرَّح في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، عقب لقائه مع ترامب، قائلاً: «ركزنا على المستقبل وعلى فرص الاستثمار في سوريا، بحيث لا تُعتبر بعد الآن تهديداً أمنياً، بل شريكاً جيوسياسياً يمكن للولايات المتحدة أن تستثمر فيه، لا سيما في قطاع استخراج الغاز».
ويعد هذا اللقاء الثالث بين الشرع وترامب، بعد لقاءين سابقين، أولهما كان في الرياض في مايو الماضي، وثانيهما كان في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. ومنذ اللقاء الأول في الرياض، شهدت العلاقات السورية الأميركية نمواً ملحوظاً تزايد معه التنسيقُ المشترك بين الجانبين في عدد من الملفات.
وبادرت الإدارة الأميركية في 23 مايو الماضي بتقديم إعفاء مدته 180 يوماً من عقوبات «قانون قيصر». وبدا أن سوريا تستلهم النموذجَ الاقتصادي الأميركي، بعد سنوات من تبنيها النموذجَ الاقتصادي الاشتراكي، حيث عرض وزيرُ الاقتصاد السوري نضال الشعار، أثناء الزيارة لواشنطن، رؤيةَ الحكومة السورية حول نظام مالي جديد مستوحى من النموذج الأميركي، كما بحث في واشنطن مع عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية مجالات وآفاق التعاون الاقتصادي، وإعادة بناء الشراكات الدولية في مرحلة ما بعد العقوبات، في سعي لاستعادة مكانة البلاد كوجهة استثمارية رئيسية في المنطقة، بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة. والآن يبدو أن الساحة الاقتصادية السورية أصبحت مفتوحة لتدفق الاستثمارات الأميركية في قطاعات النفط والغاز والتكنولوجيا والبناء والخدمات اللوجستية والنقل والتمويل، بإشراف من المجلس الأميركي السوري للأعمال، الذي أنشئ حديثاً لتسهيل اللقاءات والتعاون المشترك.
وقد شهدت العلاقات الأميركية السورية تطوراً أعمق في المجالين العسكري والأمني، حيث أعلنت سوريا انضمامَها رسمياً إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، لتصبح شريكاً في مكافحة الإرهاب، وستقوم بمشاركة المعلومات الاستخباراتية والأمنية مع التحالف الدولي، وبالسماح لقوات التحالف الدولي بتنفيذ عمليات بالتنسيق مع القوات السورية، وبالتواجد عسكرياً على الأراضي السورية أيضاً.. وهو ما سيضيف لواشنطن وحلفائها ثقلاً سياسياً وعسكرياً في المنطقة وسيقلص دورَ الحلفاء الإقليميين للنظام السوري السابق.
وفي المقابل يسعى الرئيس السوري لتقديم نفسه كبديل شرعي عن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في مكافحة الإرهاب، بغية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التابعة لـ«قسد» ضمن أجهزة الدولة السورية.لا شك في أن إلغاءَ العقوبات الاقتصادية وإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي يشكلان خطوةً كبيرةً لحكومة الشرع، لكن تحولات مثل هذه تتطلب أيضاً ترتيب البيت الداخلي، عبر انفتاح اقتصادي مدروس وإصلاحات داخلية، قانونية ومصرفية وإدارية، كفيلة بإحداث نقلة نوعية لسوريا، وهو الاختبار الحقيقي للحكومة السورية في المرحلة الحالية.
نقلا عن "الاتحاد"