التحول الرقمي في البحرين

د. نجيب الغربال
د. نجيب الغربال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

تتقدم البحرين بخطى متسارعة في مسار الابتكار والتحول الرقمي، مدفوعة برؤية وطنية واضحة ترتكز على بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة. فقد أصبحت التكنولوجيا اليوم ليست مجرد أداة داعمة، بل إطارًا يعاد من خلاله تشكيل أساليب العمل وإنتاج القيمة وتحسين جودة الخدمات. ومن خلال تطوير البنية التشريعية وتعزيز جاهزية المؤسسات، تعمل المملكة على توسيع قدرة الشركات وروّاد الأعمال على الاستفادة من الفرص التكنولوجية الجديدة التي يفرضها الاقتصاد العالمي، مع خلق بيئة تنافسية تتيح التوسع والنمو على المدى الطويل. وقد أسهم هذا التوجه في تعميق الوعي المؤسسي بأهمية تبني نماذج عمل مرنة تعتمد على البيانات والتحول الرقمي، بما يدعم قدرة البحرين على مواكبة التحولات الإقليمية المتسارعة.
وعلى المستوى المحلي، اعتمدت البحرين منظومة متقدمة لدعم ريادة الأعمال تشمل صندوق العمل تمكين، وبنك البحرين للتنمية، ومجلس التنمية الاقتصادية، وبرامج داعمة مثل ابدأ مشروعك وريادة لتسريع الأعمال. وأسهمت مبادرات التكنولوجيا المالية (FinTech) والبيئات التجريبية التنظيمية (Regulatory Sandbox)، إضافة إلى برامج الأمن السيبراني والمسرعات الرقمية، في رفع جاهزية السوق المحلي لتبني نماذج أعمال مبتكرة تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. كما ساعدت هذه البرامج في بناء كوادر شابة تمتلك مهارات متقدمة، وفي توجيه جزء من الاستثمار المحلي نحو التقنيات الحديثة، بما يعزز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الوطنية. وتظهر آثار ذلك في توسع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وارتفاع الطلب على تخصصات تحليل البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني، وهي توجهات تدعمها الدولة من خلال سياسات تعليمية وتدريبية مصممة لتعزيز تنافسية الشباب في سوق العمل، بالتزامن مع تعزيز ثقافة العمل الحر والمبادرة الفردية. كما أن تنوع البرامج الحكومية والخاصة يعزز من قدرة الجامعات ومؤسسات التدريب على مواءمة مناهجها مع احتياجات السوق الجديدة، بما يضمن استدامة عملية التطوير.
ومع هذا التطور الداخلي، بدأت البحرين تمضي بخطى واضحة نحو ترسيخ حضورها في الاقتصاد الرقمي على المستوى الإقليمي والعالمي. فقد شهدت قطاعات التكنولوجيا المالية (FinTech) والأمن السيبراني تطوراً ملحوظاً عبر مبادرات وطنية وشراكات مع منصات الابتكار مثل مركز البحرين للتكنولوجيا المالية (Bahrain FinTech Bay)، الذي قدم برامج نوعية أبرزها برنامج التحدي الرقمي المصرفي لبنك البحرين الوطني (NBB Digital Banking Challenge) الذي أتاح للشباب تطوير حلول مصرفية قابلة للتطبيق. كما عملت المؤسسات المصرفية على توسيع خدماتها الرقمية من خلال تحسين البنية التقنية وتبني قنوات مبتكرة للتعامل مع الأفراد والشركات، بما يواكب متطلبات السوق المصرفي الحديث. وتعكس هذه التطورات خطوات تنظيمية يقودها مصرف البحرين المركزي، ما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم استعداد المملكة للانخراط في بيئات اقتصادية تعتمد على التكنولوجيا بشكل متسارع. وإضافة إلى ذلك، فإن توسع مشاريع البنى الرقمية السحابية وتزايد الطلب على الخدمات المالية الرقمية يعززان قدرة البحرين على الاندماج في منظومات اقتصادية أشمل، ويدعمان توجهاتها في تعزيز قيمة الاقتصاد غير النفطي.
وتضع رؤية البحرين 2030 الاستثمار في الإنسان البحريني في قلب مشروع التحول الاقتصادي، إدراكاً منها بأن بناء قاعدة مهارية متقدمة هو الأساس الحقيقي لاقتصاد يقوم على المعرفة، ولأن الابتكار لا يكتمل دون إنسان قادر على تحويله إلى قيمة اقتصادية واجتماعية، فإن نجاح التحول الرقمي يرتبط بقدرة البحرين على الاستثمار المستمر في رأس المال البشري، باعتباره الركيزة التي تقوم عليها هذه الرؤية. وفي هذا السياق، تتجه السياسات التعليمية والتدريبية، بما يتسق مع الهدف الرابع للتنمية المستدامة SDG 4، نحو تطوير مهارات تقنية وابتكارية تمثل محوراً رئيسًا في تعزيز تنافسية البحرين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن تصنيف المهارات المطلوبة في السوق إلى أربعة مسارات متكاملة. فهناك أولاً المهارات الرقمية مثل محلل البيانات (Data Analyst) الذي يدعم المؤسسات في اتخاذ قرارات مبنية على المعلومات. ويقابلها المهارات المهنية التطبيقية التي تبقى ركيزة أساسية في القطاعات الحيوية، مثل وظيفة أخصائي الأشعة المقطعية (MRI Technician) التي تعتمد على مهارات عملية دقيقة لا يمكن للتحول الرقمي أن يحل محلها. أما المهارات الفنية التخصصية فتركز على بناء حلول تقنية عميقة، كما في وظيفة مهندس الأمن السيبراني (Cybersecurity Engineer). وتمثل المهارات الهندسية عنصراً محورياً في التنمية العمرانية والمستقبلية، ويظهر أثرها في تخصصات مثل مهندس المباني الخضراء (Green Building Engineer) الذي يدعم توجهات الاستدامة في المملكة. ولا يمكن لأي من هذه المهارات أن تنمو بشكل سليم دون وجود مدرس قادر على بناء هذه المعارف وترجمتها إلى خبرات عملية، فالمعلم يبقى العنصر الأكثر تأثيراً في تشكيل الأجيال الجديدة، وهو حلقة الوصل بين احتياجات سوق العمل ورأس المال البشري القادر على تلبيتها. وتظهر هذه الأمثلة أن سوق العمل لا يتجه إلى إلغاء أدوار قائمة، بل إلى تنويع المهارات وتكاملها بما يخدم احتياجات الاقتصاد ويعزز مرونته.
ولكي يكتب لهذا التحول الرقمي النجاح المستدام، يجب أن يتحرك ضمن إطار تنموي متوازن، يضمن عدم انحصار الاهتمام في التكنولوجيا على حساب القطاعات الحيوية الأخرى. فالصحة والتعليم والهندسة والتمريض وريادة الأعمال وغيرها من التخصصات تمثل ركائز لا يمكن الاستغناء عنها في بناء اقتصاد قوي، كما أن خلق فرص عمل جديدة يتطلب تكاملاً بين المهارات الرقمية والمهنية والتخصصية والهندسية، دون إغفال الدور المحوري للمعلم في بناء القدرات الوطنية. فالتحول الحقيقي يقوم على منظومة مترابطة تتقدم بتكامل جهود القطاعات الحكومية والأهلية، بما يضمن تحقيق أثر شامل ومستدام على المجتمع والاقتصاد.
إن التحولات التي تشهدها البحرين في مسار الابتكار والتحول الرقمي ليست مجرد مبادرات منفصلة، بل جزء من مشروع وطني يتطلب شراكة واعية من جميع الأطراف. فالمستقبل لن يُبنى بالاستثمار في التقنية وحدها، بل بالقدرة على توظيفها لخدمة الإنسان البحريني وتعزيز الإنتاجية وفتح مسارات جديدة للنمو. كما يمثل خلق فرص عمل نوعية للشباب البحريني أحد أهم مخرجات هذا التحول، بما يسهم في خفض معدلات البطالة وتحسين موقع البحرين في المؤشرات الإقليمية والدولية المرتبطة بسوق العمل. وهنا يبرز دور صناع القرار والمستثمر البحريني في تطوير الأطر التنظيمية والبيئة الداعمة للابتكار وتضييق فجوات المهارات عبر تحسين مخرجات التعليم والتدريب، إلى جانب دور المجتمع في ترسيخ ثقافة التعلم المستمر واستثمار الفرص الصاعدة. وعليه، فإن منح الشاب والشابة البحرينية مساحات أوسع للإبداع والابتكار عبر فرص نوعية ترفع مشاركتهم في مختلف القطاعات، سيسهم في بناء وطن أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات، ويضع البحرين في موقع متقدم يمكنها من تحويل رؤية 2030 من طموحات نظرية إلى واقع عملي ملموس. فهل نحن مستعدون لذلك؟

نقلا عن "البلاد" البحرينية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط