الصورة تلتهم التفجير

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

اشتعلت الحرب وأشعلت بلدان المنطقة المُسالمة... كنتُ أشاهد التلفزيون، والحرب تُلقي بتفجيراتها في سماء بلادنا الغالية، حين جاءني اتصاله: «سلامات».
كلانا يطمئن على الآخر، وكلانا يعرف لماذا يتصل الآن،

«البشر تحتاج الوصل في النوائب».

تكلّمنا بخوفنا على بلدنا وأهله الأبرياء، وعما هو حاصل، وترددت كلمة التفجيرات بيننا أكثر من مرة، حتى قاطعني بسؤال غريب جاء من حيث لا أنتظر: «كيف اقترن طبلُ الأُنس والفرح، بعبارة: طبول الحرب؟»

مرّت لحظة صمت.

قلت: «لأن الإيقاع يُحاكي نبضات القلب، ويبث الحيوية في روح الإنسان، والطبل يجمع الناس حول صوت واحد، ويُفرز في دمائهم ما يدفعهم إلى الأمام، الأداة واحدة، لكن الإنسان عبر تاريخه الطويل وجد لها غرضين: يُفرح بها، ويُحارب».

حين ودّعني صديقي بقيتُ بخوفي وقلقي أسمع صافرات الإنذار والتنويه أمامي على الشاشة، أخشى على وطني وأهلي، والتفجيرات تتوالى وأنا أتابع الصور.

توقفتُ عند هذا الإحساس الغريب، كنتُ أتابع التفجيرات المتلاحقة في البر والبحر، وعيناي لا تتوقفان عن ملاحقة الصور. لا إراديًا كنتُ أنتظر الصورة القادمة، كما ينتظر المرء هدفاً في مباراة، دون أن يفكر في الثمن.

ولحظتها دار ببالي السؤال: كيف تحوّل الإنسان إلى متفرج؟

الجواب كان أمامي على الشاشة ذاتها.

التكنولوجيا بتقدُّمها العجيب، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفّرت للإنسان ما لم يكن يخطر بباله: أن يعيش الحدث لحظة بلحظة، حدث السياسة والطبيعة والرياضة والفكر والحرب، كلها في راحة يده وعلى شاشة أمام عينيه. لكن التكنولوجيا، بمكر وبهدوء لا يُرى، سرّبت إلى وعيه شيئاً آخر لم يختره ولم يدرِ به: علّمته أن يتابع الصورة ثم الصورة التي تلي، وهنا تكمن المفارقة الموجعة:

طبول الحرب القديمة كانت تصعّد في الجندي حماسه للقتال، تدفعه إلى الأمام وهو يرى عدوّه وجهاً لوجه، ويعرف أنه إن سقط فثمة من يُحصي غيابه. أما اليوم، فالصورة هي الطبل الجديد. تُصعّد في المتفرج حماسه لمتابعة أحداث الحرب، دون أن يحسّ بثمنه البشري الباهظ، ودون أن يرى في الدخان المتصاعد وجه إنسان، إنسان يضرب إنسان لا يعرفه!

نسمع الصفّارات ودوي الانفجارات والمسيّرات ويهتز خوفنا على بلدنا وأهلنا... الحرب باتت تدار من بُعد، وتُشاهَد من بُعد، وتُعاش من بعد، والإنسان في الحالتين غائب: غائب خلف شاشة المتابعة، وغائب خلف شاشة القتل، يرى الجميع الصور ولا يرى أحد الإنسان.

جنون الحرب دائر بخوفنا على بلدنا المسالم، جنون يطحن أرواح البشر، ونحن أمام شاشات تطحن دقائق أعمارنا ننتظر الصور التالية. وكم يبدو السؤال مؤلماً حين يطرق باب الضمير:

«متى يتوقف جنون الإنسان؟».

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.