صافرات تسكن أطفالنا

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

«ابنتي الصغيرة - وللمرة الأولى - صارت ترتعب طوال الليل وتبكي في فراشها!».
أخبرني، وشيءٌ من الأسى في نبرته.

«طبيعي»، أجبته، فحلّت لحظةُ صمتٍ بيننا، ثقيلةٌ كسماء الحرب.

منذ اندلعت الحرب، وامتدت تفجيراتها وحرائقها وموتها لتطول شعوب منطقة الشرق الأوسط، صرتُ وصديقي الأقرب نُجري اتصالاً يومياً، نطمئن به على بعضنا، ونُهدّئ أرواحنا من خوفٍ أعمى بات يُحاصرنا.

أكملتُ ردّي عليه قائلاً: «الحروب من أكثر التجارب قسوةً على الأطفال، تؤثر في إحساسهم بالأمان، وتُربك تطوّرهم النفسي، وتترك آثاراً لا تُمحى على أرواحهم».

ردَّ عليَّ بصوت متألم: «صغيرة، لا تعرف شيئاً عن الحرب، ويُرعبها سماع الصافرات».

أنهينا اتصالنا، لكنّ جملته لم تفارقني.

لقد جعلت الحربُ من الخوف والترقّب خبزاً يومياً يقتات عليه الصغير والكبير، شوّهت وجهَ ساعات اليوم، حتى غدت تترنّح وفق صافرات الإنذار وأصوات التفجيرات. وإن كان الكبار يستطيعون، بدرجات متفاوتة، أن يجدوا لهذا الخوف تفسيراً أو مخرجاً، فإن الطفل لا يملك من الأمر إلا ما يسمعه ويرتجف منه.

الكويت بلدٌ لم تكن الحرب يوماً جزءاً من مشهد حياته اليومية، سوى ذلك الجرح الغائر، الذي خلّفه الغزو العراقي عام 1990 في تاريخه وذاكرة أبنائه، ومن هنا يأتي هذا الخوف اليوم مضاعفاً وغريباً، وتكون وطأته الأثقل على من لم يعرفوا للحرب وجهاً من قبل: الأطفال.

أثرُ صافرات الإنذار يتفاوت من شخص لآخر، فبينما يستمر أحدهم في تأدية عمله، يُصاب آخر بالرعب، ويحتار كيف يتصرف، وهذا شأنٌ إنساني باختلاف الأعمار والخبرات والبيئات، لكن ما تُجمع عليه الأبحاث المتخصصة أن الأطفال هم الأكثر هشاشةً والأبطأ تعافياً، وأن الصدمات المتكررة، إن لم تُعالَج بدعم نفسي حقيقي، تمتد آثارها معهم لسنوات، وقد تطال نموهم العاطفي والاجتماعي في صمت.

يقول توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي وعضو الكلية الملكية للأطباء النفسيين، في لقاء أجرته معه «بي بي سي نيوز»: «الأطفال لا يفهمون السياسة، ولا أسباب الحروب، لكن أدمغتهم تُسجّل الخوف، ما لا نراه من آثار نفسية اليوم قد يتحول إلى قلق مزمن واضطرابات عميقة في المستقبل، إن لم تتم حمايتهم الآن».

الطفل لا يقرأ نشرات الأخبار، لكنه يقرأ وجهَ أبيه.

اتصل بي صديقي في اليوم التالي، فسألته عن ابنته.

«نامت أفضل.. تركتُ يدي في يدها حتى غفت».

«هذا أجمل دواء»، قلت له.

ليس بأيدينا إيقاف حرب متوحّشة تُلطّخ سماء بلدنا بدخانها، وتُثقل أرواحنا بأصوات تفجيراتها، لكن بإمكاننا أن نقف إلى جانب أطفالنا، نتفهّم خوفهم، ونُهدّئ من روعهم، وبذا نُهدّئ من روعنا نحن أيضاً.

قدرُ الإنسان أن يواجه الحرب، وقدرُه أيضاً أن يُقاومها، وأبسط أشكال المقاومة أن تبقى يدك في يد طفلك حتى يغفو، علَّ نومه يُعيد إليه روحه البريئة.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.