الفرح بالدم!

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

«ذوقوا ما ذاقت الأرواح».


بشماتة كريهة، كتب أحدهم جملته، معلّقاً على اللحظات المخيفة التي تمرّ على شعوب دول الخليج العربي، في الحرب الدائرة فوق سمائنا.

توقّفتُ كثيراً عند تلك الجملة، ودار ببالي: من ذاك الذي يدّعي أننا في دول الخليج نعيش في فقاعة وردية معزولة عن وجع العالم؟ ومن ذاك الذي يحسب أننا لا نعيش الوجع الإنساني في أعمق طبقاته، ذلك الوجع المنبثق من طينة البشر ذاتها: فالظلم الذي يقع على الآخر هو ظلم يمسّني، وبعضه يسقط مباشرة على قلبي.

أذكر ذلك جيداً، حين وقع الغزو العراقي الغاشم على الكويت عام 1990، انبرت شخصيات وازنة في جميع الدول العربية لتقف مع الحق الكويتي الصريح، لكن المفارقة المرّة أن شخصيات كانت قد طرحت نفسها بوصفها مفكّرة وحرّة، وبوصفها تنظّر لبنية العقل العربي وأمراضه، وجدتُ بعضها، فجأة وبلا خجل، تقف إلى جانب الاحتلال، وإلى جانب القتل، وإلى جانب محو الهوية الوطنية، وإلى جانب الدكتاتور.

استوقفني ذلك طويلاً، وسألت نفسي: كيف لمفكّر يدّعي الحرية أن يقف ضد الحرية، ويُجيز الاحتلال؟ وكيف يعتقد، ولو للحظة، أن دبابة غازية يمكن أن تكون طريقاً للسلام؟

الجواب الذي توصّلت إليه بعد سنوات: الشماتة ليست وعياً، وليست موقفاً سياسياً، إنها مرض مقيم في النفس، يرتدي في كل زمان ثوباً مختلفاً.

ها قد دارت الأيام دورتها، وعادت الصفارات تُنغّص هدوء سماء الخليج، والتفجيرات تهزّ الهواء، ولم يزل الدم بلونه الأحمر القاني في كل مكان، والغريب أن بعضهم ما زال لا يرى إلا ما يُغذّي مرضه القديم، لا يفرّق بين من لم يطلق رصاصة واحدة وسعى، دائمًا، إلى أمن بلده وأمن جيرانه، وبين عدو يُطلق مسيّراته وصواريخه نحو بقع آمنة ونحو أطفال نائمين.

أنا من جيل كويتي فتّح عينيه على شعارات كبيرة مضيئة: «أمة عربية واحدة»، «وطن من الخليج إلى المحيط»، «لسان عربي ولغة جامعة»، شعارات تدغدغ الروح، رأى فيها جيلي أملاً مشرقاً، وحلماً بعيداً يُعيد إلى العربي شيئاً من عزّ ومجد غابر، لكن هذه الشعارات الآسرة نفسها حملت بعضاً إلى السجن، وبعضاً آخر إلى القبر المجهول، وراحت تتبخّر يوماً إثر يوم، وتصغر وتصغر وتصغر، حتى صار الحلم أصغر من وطن عربي واحد، وأصغر من وحدة، وأصغر من تضامن، صار الحلم، في حدوده الدُنيا، ألا يُقطَّع الوطن الواحد، وألا يقتل الأخ أخاه بدم بارد وبتشفٍّ غريب.

الكويت بلدي، حيّزٌ جغرافي صغير، لكننا نراه بكبر الدنيا كلها.

الكويت بلدي، وبقدر ما صغُر مكانها على الخريطة، كان حضورها الإنساني في العيش والفكر والثقافة أكبر من أن يُطال، ومن يسعى إلى طمس هذا الحضور يشبه من يرفع غربالاً ليحجب قرص الشمس عن الناس، والشمس لا تعترف بالغرابيل.

بلدي، أخاف عليك من صفارات الإنذار،

وأخاف عليك من القصف والتفجيرات والدم،

وأخاف عليك من أي شوكة تخدش ترابك الطاهر.

لكنني، في أعماقي، لا أخاف عليك أبدًا، لأن الأيام، ومنذ قدم البحر وبيت الشعر والشراع واليامال، أثبتت أنك قوي بأبنائك المخلصين، وأنك باقٍ ما بقي على ترابك مَن يحبّك.

يا صديقي الشامت، لك قلبك المريض، ومرآتك التي لا تُريك إلا ما تشتهي، أما أنا، فلي موقفي الإنساني المبدئي بكرهي الصادق لأي نقطة دم تُراق في أي مكان، وعلى أي أرض، ومن أي يد.

بمناسبة عيد الفطر، لكم عيدٌ عامرٌ بالسلام والمحبة، وكل عام وأنتم بخير!

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط