إيران.. وهندسة المطبات

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

أكثر ما يلفت اهتمامي شهية إيران الحالية في تحقيق أهدافها في الخليج، وتواصلها في دبلوماسية الملاحقة التي تتبناها إيران مع دول الخليج في الوصول الى تحقيق شراكة خليجية تبعد الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة عن الشأن الخليجي، الذي تراه من اختصاص الدول المطلة على البحر والممتد من باب المندب الى السواحل الإيرانية والكويتية شمالاً، وتتميز هذه الملاحقة باستغلال المناخ الحالي الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لتأكيد استمرار التوافق العالمي حول عالمية بحر الخليج انسجاماً مع قرارات الأمم المتحدة، ولا سيما تلك التي تمت المصادقة عليها في الدورة الاستثنائية، التي تم عقدها بعد حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وإسرائيل.
كنت مندوب الكويت الدائم في الأمم المتحدة متوجداً في اجتماعات اللجان التي تسعى للتوصل الى توافق جماعي يعكس حقيقة موقع الطاقة في حياة الأسرة العالمية، وذلك من خلال دراسة مواقع المعاناة التي سببتها أزمة الطاقة وما تحملته بعض الدول النامية من آلام.

كانت الأجواء في تلك الدورة في بداية عام 1974 متعبةً، يتسيدها الخوف من المستقبل مع غياب الاطمئنان وتعاظم الشكوك من نتائج الانقسام الخطير الذي تميزت به اجتماعات اللجان. كانت الدول المصدرة للطاقة تدافع عن حقها السيادي في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبةً لتأمين سيادتها واستقلالها، بينما تعترض الدول الصناعية ولا سيما الولايات المتحدة ودول أوروبا، بأن تطويع الطاقة لأهداف سياسية إجراء مؤذٍ للأسرة العالمية، وليس من حق الدول المصدرة أن توقف التصدير.

والمهم أن الدورة الاستثنائية التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة نجحت في الوصول الى اتفاق جماعي، يبرز موقع الطاقة في حياة الأسرة العالمية، ومنذ ذلك التاريخ التزم الجميع، مصدرون، ومستوردون المبادئ التي تعتمدها الأسرة العالمية في تعاملها مع الطاقة، ولأول مرة في تاريخ البشرية يصبح التوافق الذي يربط الجميع مرتكزاً إلى الطاقة سلعةً استراتيجية تحتاجها الأسرة العالمية، ولا مفر من تواجدها دائماً مع الحرص على إبعادها عن مطبات السياسة وتعقيداتها. جاء الاتفاق بعد اتصالات ولقاءات وتنازلات تولت الولايات المتحدة القيادة في المفاوضات مع الدول المصدرة، وبرزت فنزويلا والمملكة العربية السعودية والجزائر في تبنِّي الدفاع عن حقوق الدول المنتجة.

كنت أمثل الكويت في فريق العمل المدافع عن مواقف الدول المصدرة، وكان مندوب فنزويلا السيد جريرو أكثر الوفود تأثيراً في اعتداله وواقعيته ونزاهته.

أصبحت الطاقة سلعة إستراتيجية لها الخصوصية التي تحميها من تدخلات السياسة. هذه المقدمة ضرورية لشرح الطموحات الإيرانية التي لا تعترف بالحقائق التي يلتزمها العالم منذ عام 1974. فخروج النفط من ملفات السياسة أراح الجميع، ووفر اطمئنان الأسرة العالمية بتواصل توفر الطاقة بلا انقطاع وبلا تعقيدات سياسية. ولا أعتقد أن حالة إيران اليوم ترتاح لهذا الاتفاق العالمي، الذي يقول إن النفط سلعة استراتيجية عالمية يحتاجها الجميع ومحصنة من مفاجآت السياسة، ولن توقف مساعيها لتجاوز هذا التفاهم العالمي النادر، وفوق ذلك فالواضح أيضاً أن إيران تضغط خليجياً لتحقيق توافق إيراني – خليجي لإبعاد دول المصالح عن التدخل في قضايا الخليج، فلا تردد في مسعاها لإبعاد الدول الكبرى والصغرى عن الشأن الخليجي، ولا تحترم التوافق العالمي بأن الطاقة سلعة استراتيجية لا تستغني عنها الأسرة العالمية، مع التأكيد في حمايتها من اعتبارات السياسة، فهذه الحصيلة العالمية جاءت من تفاهم وتوافق عالميين يضعان مصالح الأسرة العالمية فوق كل الاعتبارات.

كما ألاحظ المسعى الإيراني وسعيه نحو إبعاد الدول الكبرى عن التواجد في الخليج، ودعوة دول الخليج للتخلي عن اتفاقاتها مع واشنطن، واعتبار الوجود الأمريكي تهديداً لأمن الخليج وسلامة دوله. وستواصل إيران الثورية نزعة تخويف الخليجيين من التآمر الأمريكي، وتدفع لإقناع دول الخليج بالنوايا الأمريكية السيئة. ويبرز سؤال عن ضرورة تأكيد صلابة الموقف الخليجي، فالاتفاق مع الولايات المتحدة أو غيرها شأن سيادي لا دخل لإيران فيه، فالعلاقات بين دول الخليج والولايات المتحدة حصيلة ترابط استراتيجي يؤمن سلامة المصالح المشتركة، ويحافظ على نموها وتنوعها، ولا شأن لإيران بها. لن تتوقف المشاغبات الإيرانية وستظل مستمرة في دبلوماسية الأوهام والأحلام التي تريد تحويل الخليج الى ساحة تمارس إيران فيها جميع ما جمعته من أوهام قد تمكنها من السلطة في أهم موقع استراتيجي تحرص الأسرة العالمية على سلامته.

تتكاثر الأخبار عن تصاعد الخلاف الداخلي في إيران بين السلطة المدنية وبين القوات المسلحة التي لن تتحمل المرونة التي تمارسها سلطة رجال الدين وتقبلها للحلول الوسطى، ولم يتردد الرئيس الأمريكي في التعبير عن مخاوفه من الخلاف والانقسام داخل السلطة الإيرانية، كما خرجت مؤشرات تتحدث عن القيود المفروضة على وزير الخارجية في تعاطيه مع الجانب الأمريكي، وتأكيد قدرة رجال الجيش على الحدّ من صلاحيات الجانب المدني، مع تعليقات تؤكد حالة الانقسام مع احتمالات تريد الولايات المتحدة التوصل الى اتفاق يوفر لها ما تسعى إليه من تطمينات بقدرة السلطة الإيرانية على تنفيذ بنود الاتفاق المنتظر، الأمر الذي ينهي احتمالات اللجوء الى القوة، وهو خيار لا يسعى اليه الجانب الأمريكي، وقد يحتوي على آليات تدمر ما تبقى لإيران من مدن ومن مظاهر التحضر التي كانت تزين طهران وغيرها من المدن.

نحن في الخليج نتمنى تحقيق توافق يؤدي الى نهاية ترضي جميع الأطراف وليس فيها ما يثير قلقنا، ونعرف أن البديل سينجب وضعاً مختلفاً ليس في وسعنا رسم صورة عنه.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط