الغيرة ليست دائماً حباً
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
هناك أشخاص يظنون أن الغيرة دليل حب وأن الخوف المبالغ فيه يعني اهتماماً وأن السيطرة نوع من الحماية، بينما الحقيقة النفسية تقول شيئاً مختلفاً تماماً أحياناً، ما نسميه حباً لا يكون إلا خوفاً قديماً يرتدي ثوب العاطفة وأحياناً ما نعتقد أنه تعلق عميق لا يكون إلا ذعراً من الوحدة والهجر والفقد.
الحب الصحي لا يخنق، لا يراقب الأنفاس، لا يحول الهاتف إلى ملف تحقيق، ولا يجعل الإنسان يعيش وكأنه متهم طوال الوقت.
بعض العلاقات تبدأ بكلمات جميلة، ثم تتحول بالتدريج إلى مساحة قلق مستمر وينتهي الأمر بأحد الطرفين وهو يعتذر عن أشياء لم يفعلها أصلاً فقط حتى يحافظ على هدوء العلاقة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، حين يختلط الحب بالخوف، ويختلط الاحتياج بالتملك، ويختلط الأمان بالمراقبة.
في علم النفس هناك فرق كبير بين الإنسان الذي يحبك والإنسان الذي يتعلق بك، الذي يحبك يريد أن يراك بخير حتى لو لم يكن هو محور عالمك، أما المتعلق بك فهو يريدك تحت السيطرة لأن وجودك يطمئنه لا لأنه يفهمك.
لهذا، بعض الناس يغارون من كل شيء، من نجاحك، من أصدقائك، من وقتك الخاص، من هاتفك، من ضحكتك مع الآخرين، وكأنك مشروع يجب أن يبقى داخل حدودهم النفسية.
الغيرة الطبيعية شعور إنساني عابر، لكن الغيرة المرضية حياة كاملة من الشك والتوتر والسيناريوهات والاتهامات الصامتة هي عقل لا يهدأ وقلب لا يشعر بالأمان مهما فعل الطرف الآخر، والأخطر أن البعض يفسر هذا الألم على أنه حب عظيم فتسمعين شخصاً يقول:
«هو يغار عليّ لأنه يحبني».
بينما الحقيقة أنه قد يخاف أن يفقد سيطرته لا أن يفقدك أنت.
الحب الصحي لا يطلب منك أن تصغّر نفسك كي يطمئن ولا يجعلك تعيش مراقباً طوال الوقت ولا يعاقبك بالصمت لأنك تحدثت مع الآخرين أو نجحت أو أصبحت أكثر ثقة بنفسك.
الحب الحقيقي يمنح الإنسان مساحة، مساحة للتنفس، للنمو، للراحة، للخطأ.
وللشعور بأنه محبوب كما هو لا كما يجب أن يكون.
أما التعلق المرضي فيقوم على فكرة واحدة فقط «لا تتركني مهما حدث»
حتى لو تحول الحب إلى تعب، حتى لو اختفى الاحترام، حتى لو أصبحت العلاقة تستنزف الروح.
الكثير من الناس لا يبحثون عن الحب فعلاً، هم يبحثون عن شخص يسكن خوفهم الداخلي.
ولهذا، يتعلقون بأي اهتمام بسيط ويخافون من أي تغيير صغير ويعيشون داخل دوامة تحليل لا تنتهي.
رسالة متأخرة، رد بارد، انشغال بسيط...
كلها تتحول داخل عقل الشخص المتعلق إلى تهديد عاطفي كامل، وهنا تبدأ العلاقات المؤذية التي لا يخرج منها الإنسان مكسور القلب فقط بل مكسور الثقة بنفسه أيضاً.
الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من التعلق القلق غالباً عاشوا تجارب مبكرة جعلتهم يشعرون أن الحب غير ثابت، وأن الأمان موقت، لذلك يكبرون وهم يخافون من الفقد أكثر من رغبتهم في الحب نفسه.
ولهذا، أحياناً لا تكون المشكلة في الشريك بل في الجرح القديم الذي لم يُشفَ بعد.
الحب الناضج لا يصرخ طوال الوقت، لا يهدد، لا يبتز، لا يجعل الإنسان يشعر بأنه يمشي فوق أرض قابلة للكسر.
الحب الحقيقي يشبه البيت الآمن، أما التعلق المرضي فيشبه غرفة مليئة بالإنذارات.
والفرق بينهما يظهر في شعورك لا في الكلمات، اسأل نفسك بعد كل علاقة هل كنت مرتاحاً أم مراقباً؟ هل كنت نفسك أم نسخة تحاول النجاة؟ هل كنت محبوباً أم فقط مطلوباً لإطفاء خوف شخص آخر؟
لأن الإنسان حين يحب بشكل صحي يمنحك شعوراً نادراً جداً أنك تستطيع أن تكون على طبيعتك دون خوف.
أما العلاقات القائمة على التعلق المرضي فهي تبدأ غالباً بشدة وتنتهي بإنهاك كأن القلب دخل حرباً وهو يظن أنه دخل حباً،
وفي النهاية، ليست كل غيرة حب، ولا كل تعلق وفاء.
بعض المشاعر تحتاج علاجاً لا قصة رومانسية، وبعض القلوب لا تحتاج عاشقاً جديداً بل تحتاج سلاماً داخلياً يعيد لها معنى الأمان.
وأشدّ أنواع الفقد
أن تفقد نفسك
وأنت تحاول ألّا تفقد أحداً
تحياتي.
نقلا عن "الراي"