الأمن الخليجي.. كلٌ لا يتجزأ
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في ظل تصاعد حدِّة التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، تتشكّل أجواء وتطورات تُلقي بظلالها على مختلف دول المنطقة التي تسعى إلى الحفاظ على أمنها واستقرارها وسط بيئة إقليمية متقلّبة. ويكتسب ملف الصراع الحالي أهميةً استثنائية على الصعيدين الإقليمي والدولي معاً، وذلك بالنظر إلى ما يمثّله الخليج العربي من مركز حيوي للاقتصاد العالمي وممر استراتيجي لتجارة الطاقة الدولية.
ولقد أثبتت التجارب السابقة أن أي تصعيد عسكري أو توتُّر أمني أو صراع سياسي في المنطقة من شأنه أن ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو الأمر الذي يدفع دول الخليج العربية إلى التعامل مع هذه المستجدات بحكمة ومسؤولية عالية، كما هو شأنها مع جميع المواقف والملفات الأخرى. فمنذ سنوات طويلة، تبنّت دول الخليج العربية نهجاً استراتيجياً يقوم على تعزيز الأمن الوطني، وتطوير القُدرات الدفاعية، وتوسيع مجالات التعاون الأمني والعسكري فيما بينها، بما يضمن حماية أمن شعوبها والحفاظ على مقدّراتها الوطنية. وفي ظل التوتر الراهن على مستوى منطقة الشرق الأوسط ككل، تبرز أهميةُ الجهود الخليجية الرامية إلى تجنُّب اتساع دائرة الصراع، والعمل على دعم الحلول السياسية والدبلوماسية التي تسهم في خفض منسوب التوتر وتحقيق الاستقرار الإقليمي.
ولا شكَّ في أن دول الخليج العربية تُدرك تمام الإدراك بأن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من النزاعات، بل إلى بيئة آمنة تتيح استمرار خطط التنمية الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية التي تخدم الأجيال القادمة وتضمن مزيداً من التطور والازدهار. وكما نعلم، فإن أمن الخليج العربي لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد أيضاً ليشمل الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة وأمن الملاحة البحرية. وتُعد الممرّات البحرية في منطقة الشرق الأوسط من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، حيث تمرُّ عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز إلى الأسواق الدولية. ومن هنا فإن الحفاظ على أمن هذه الممرات المائية يمثّل مسؤولية مشتركة تتطلّب تعاوناً إقليمياً ودولياً مستمراً. وقد نجحت دول الخليج العربية خلال العقود الماضية في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية متطورة، تتمتع بكفاءة عالية وقُدرات متقدمة تمكّنها من التعامل مع مختلف التحديات الأمنية. كما ساهمت الاستثمارات الكبيرة في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والتدريب والتأهيل في تعزيز الجاهزية والاستعداد لمواجهة أي مستجدات قد تطرأ على الساحة الإقليمية.
وفي الوقت ذاته، تواصل دول مجلس التعاون الخليجي التأكيد على أهمية احترام مبادئ حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، باعتبارها أُسُساً ضرورية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. كما تواصل دعمَ كل الجهود الرامية إلى حل الخلافات عبر الحوار وبالوسائل السلمية، بما يحقق مصالح شعوب المنطقة ويحفظ أمنَها واستقرارها. وتتطلب المرحلةُ الحاليةُ المزيدَ من التنسيق والتعاون بين دول الخليج العربية لمواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز منظومة الأمن الجماعي الخليجي التي أثبتت أهميتَها في مختلف الظروف. كما تتطلب استمرارَ العمل على ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي باعتباره الركيزةَ الأساسيةَ لمستقبل آمن ومزدهر.
وفي النهاية، يبقى أمن الخليج العربي مسؤولية جماعية لدوله، مسؤولية تتطلب اليقظة والحكمة والتعاون، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة. وقد أثبتت دول الخليج العربية أنها تمتلك من الخبرة والإمكانات ما يؤهِّلها للتعامل مع مختلف التحديات، والحفاظ على أمنها واستقرارها، بما يخدم مصالح شعوبها، ويعزّز مكانتها الإقليمية والدولية. والله الحافظ.
نقلا عن "الاتحاد"