الصور لا تكذب.. وذاكرتنا لا تنسى!

تمام أبوصافي
تمام أبوصافي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

808 اعتداءات تعرّضت لها مملكة البحرين. 203 صواريخ باليستية، و605 طائرات مسيرة، هذه ليست أرقامًا عابرة في بيان سياسي، وليست تفاصيل هامشية في جلسة دولية. هذه أرقام محفورة في ذاكرة وطن، وفي خوف طفل، وفي نافذة منزل تهشمت، وفي عائلة خرجت من بيتها؛ لأنها لا تعرف إن كان الهواء الذي تتنفسه سيبقى آمنًا بعد استهداف منشأة حيوية تحتوي على مواد خطرة.


في مجلس الأمن، وقفت البحرين كما يجب أن تقف الدول حين يُستهدف أمنها وناسها وبيوتها: بلا مجاملة، بلا ارتباك، بلا مناطق رمادية. فلا حياد عندما تُستهدف البيوت، ومحطات المياه، والجامعات، والمنشآت الصناعية الحيوية، والفنادق، والمرافق المدنية. ولا توجد لغة دبلوماسية قادرة على تلطيف جريمة حين يكون الهدف هو ترويع المدنيين، وكسر طمأنينة الناس، وضرب الحياة اليومية في بلد آمن.


وزير الخارجية عبداللطيف بن راشد الزياني لم يكن يطالب بحق سياسي مجرد، بل كان يطالب بحقنا جميعًا؛ مواطنين ومقيمين. بحق هذا البلد العظيم الذي واجه طويلًا مؤامرات جار عدائي محكوم بأيديولوجية لا ترى في الاستقرار إلا عدوًا، ولا في السلام إلا فرصة مؤجلة للغدر. كان يتحدث باسم البحرين، وباسم البيوت التي لم تكن طرفًا في حرب، وباسم المدنيين الذين لم يحملوا سلاحًا، وباسم الخوف الذي عاشه الناس ولم تنقله كل الكاميرات.

وحين رفع مندوب الولايات المتحدة الأمريكية لدى مجلس الأمن، مايك والز، صور البيوت والمنشآت التي طالها الاستهداف، قال العبارة التي تختصر كل شيء: الصور لا تكذب. نعم، الصور لا تكذب. الجدران المحطمة لا تكذب. الزجاج المتناثر لا يكذب. وجوه الناس الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في سترة بعد استهداف البتروكيماويات لا تكذب. ذاكرة البحرينيين والمقيمين لا تكذب. ووجع تلك الأيام لا يزال داخلنا، حاضرًا في الذاكرة، لا يمحوه بيان إيراني مرتبك ولا رواية دعائية تحاول تحويل الضحية إلى متهم.


قد تكون الهجمات قد توقفت في هذه المرحلة، لكن آثارها لا تتوقف مع آخر صاروخ أو آخر طائرة مسيّرة. إنها تبقى في ذاكرة الأطفال الذين استيقظوا على صفارات الإنذار، وفي قلوب الأسر التي عاشت ساعات القلق، وفي أعين الآباء الذين لم يكونوا يعلمون إن كانوا سيعودون إلى منازلهم كما تركوها.

وتبقى في البيوت التي اضطر أصحابها إلى مغادرتها حفاظًا على سلامتهم، وفي الجندي الذي واصل أداء واجبه لحمايتنا، وفي رجال الأمن والدفاع المدني والأطباء والمتطوعين الذين وقفوا بين الوطن والخطر. لذلك، فإن العدالة لا تعني أن تُسجل هذه الوقائع في محاضر الأمم المتحدة فحسب، بل أن يُسمى المعتدي باسمه، وأن يبقى حق الضحايا حاضرًا، وأن يدرك العالم أن استهداف المدنيين لا يمكن أن يصبح خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار.


نعم، لن نغير الجغرافيا. إيران جار. لكنها جار عدائي، وهذه الحقيقة لم تعد تحتاج إلى شرح طويل. الجار الذي يرسل الصواريخ والطائرات المسيرة نحو الأحياء المدنية لا يمكن تغليف سلوكه بعبارات دبلوماسية باردة. والجار الذي يهدد حياة الناس ثم يزعم أنه يستهدف مواقع عسكرية، تكذبه الصور، وتكذبه البيوت، وتكذبه دموع المدنيين. البحرين لا تطلب تعاطف أحد. البحرين تطلب حقها. حقها في الأمن، وحق ناسها في الطمأنينة، وحق ذاكرتها في ألا تُزوّر. فالصور لا تكذب، ونحن أيضًا لا ننسى.

نقلا عن "الأيام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط