من أمية الحروف إلى أمية العقول

محمد الرميحي
محمد الرميحي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في المجال التعليمي نشاهد تحولات عميقة في علاقة الأجيال بالقراءة، وهي طريق المعرفة، ويبدو أن هناك علاقة شبه طردية بين تقدم التقنية وتراجع القراءة التقليدية. هذه الملاحظة ليست خاصة بالعالم العربي.

فمعظم دول العالم المتقدم تشكو اليوم من تراجع القراءة العميقة بين الشباب، غير أن المشكلة تبدو أكثر حدة في منطقتنا العربية، وتتضخم بصورة أوضح لدى بعض شرائح الطلاب الخليجيين.

فالطالب سابقاً الذي كان يقضي ساعات في المكتبة أصبح يكتفي بشاشة صغيرة يحملها في جيبه، والكتاب الذي كان يحتاج أياماً من القراءة والمراجعة صار يقرأ نفسه بنفسه!

شهد التعليم العربي خلال العقود الأخيرة مساراً متدرجاً في اختزال المعرفة بدأ بالاعتماد على الملخصات الدراسية، ثم انتقل إلى ملخصات تلك الملخصات، حتى وصل اليوم إلى مرحلة جديدة تقوم على الاعتماد شبه الكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأصبح الطالب قادراً على كتابة تقارير مطولة، وإعداد عروض تقديمية، بل وحتى صياغة أبحاث تبدو متماسكة، دون أن يمر بالعملية الذهنية التي كانت تمثل جوهر التعلم.

المعرفة هي القدرة على الفهم والربط والتحليل والنقد والمقارنة، وهذه المهارات لا تتكون عادة من خلال الإجابات الجاهزة، بل من خلال القراءة والتأمل والشك والسؤال، فالآلة تستطيع أن تقدم المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان الخبرة الذهنية التي تتولد من رحلة البحث نفسها.

المفارقة الخليجية تستحق وقفة خاصة، فمنذ أكثر من نصف قرن استثمرت دول مجلس التعاون أموالاً ضخمة في التعليم، وأنشأت الجامعات والكليات الحديثة، وابتعثت أعداداً كبيرة من أبنائها إلى الخارج، ومع ذلك فإن بعض التقديرات تشير إلى أن الإنفاق على التعليم لا يساوي بناء مجتمع قارئ. لم نعد نعاني من أمية الحروف، بل من أمية المعرفة، فالطالب يستطيع الوصول إلى أي معلومة خلال ثوانٍ.

لكنه يجد صعوبة في قراءة كتاب كامل، أو متابعة حجة فكرية طويلة، أو التمييز بين الرأي والمعلومة، لقد نجحنا إلى حد بعيد في تعليم الأبجدية، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في ترسيخ عادة القراءة الحرة وحب المعرفة لذاتها. ومن اللافت أن عدداً متزايداً من الدول بدأ يراجع بحذر اندفاعه السابق نحو الرقمنة الكاملة في التعليم، بعض الأنظمة التعليمية اتجه إلى الحد من استخدام الأجهزة الرقمية داخل الصفوف الدراسية.

وأعاد الاعتبار للكتاب الورقي وللكتابة باليد، بعد أن أظهرت دراسات تربوية تؤكد أن التدوين اليدوي يساعد على الفهم والتذكر بصورة أفضل من الاعتماد الكامل على لوحة المفاتيح والشاشات، وفي الوقت نفسه بدأت دول أخرى بسن تشريعات تقيد وصول القاصرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

وتحمل الشركات المنتجة مسؤوليات قانونية أكبر، مع فرض غرامات كبيرة. والسبب ليس عداءً للتقنية، بل إدراك متزايد أن الإفراط في استخدامها يترك آثاراً سلبية على التركيز والصحة النفسية والتحصيل الدراسي.

المفارقة أننا في العالم العربي والخليج جزء منه، لم نتخذ حتى اليوم خطوات مماثلة بالقدر الكافي، رغم أن الضرر لدينا قد يكون أشد، فنحن مجتمعات لم تترسخ فيها عادة القراءة التاريخية بالعمق نفسه الذي عرفته بعض المجتمعات الصناعية، لذلك فإن الانتقال السريع من الكتاب إلى الشاشة ومن المكتبة إلى الهاتف، جرى قبل أن تكتمل عملية بناء الثقافة القرائية أصلاً.. وهنا يظهر الفرق بين الأمية الأبجدية والأمية المعرفية..

الأولى تعني العجز عن قراءة الكلمات، أما الثانية فتعني العجز عن فهم العالم رغم القدرة على القراءة.. الأولى يمكن معالجتها بمدرسة ومعلم وكتاب، أما الثانية فتحتاج إلى ثقافة كاملة تشجع السؤال والنقاش والتفكير المستقل..

وعندما يتعود الطالب على أن تقوم الآلة بالبحث والتلخيص والكتابة عنه، فإنه يخسر أهم ما يفترض أن تمنحه له الجامعة: القدرة على التفكير المستقل.. لقد انتصرنا نسبياً على أمية الحروف، لكننا لم ننتصر بعد على أمية العقول.

نقلا عن "البيان"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط