الإعلام.. في فوضى منصات التواصل
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
جميعنا نلجأ أحياناً إلى نظرية المؤامرة حين نعجز عن فهم السياسة وألاعيبها ومسالكها، بل قد يُفرط البعض في ذلك إلى درجة اعتبار كل ما يحدث مُدبّرا أو مرسوما مُسبقًا، ولعل أبرز محطات المؤامرة في التاريخ هي ما حدث في حرب فيتنام التي تم رسمها بهدف توسيع التدخّل الأمريكي في الشرق الأقصى، كذلك كان غزو الكويت عام 1990، ومن بعده الحرب على العراق عام 2003، وقصة أسلحة الدمار الشامل التي طرحت أسئلة حول ما إذا كان هنالك هدف أبعد من ذلك وعما إذا كان الأمر مُسيّسًا بالكامل.
أما هجمات الحادي عشر من سبتمبر فقد احتلت الصدارة في نظرية المؤامرة، حيث وردت تحليلات آنذاك ولا تزال حول تورّط جهات أمريكية أو صهيونية في الحدَث مع تلاعب في الأدلّة، وما حدَث مع الحادي عشر من سبتمبر، حدَث مع جائحة كورونا، وإن كان القطاع الصحي العالمي هو المتهم هنا.
هنالك كتابان شهيران جداً في قائمة أفضل الكتب التي تناولت قضية المؤامرة من وجهة نظر أفراد من داخل المؤسسات الأمنية، أحدهما كتاب Secret Affairs للكاتب والباحث البريطاني مارك كيرتس، والمتخصص في تحليل السياسات البريطانية والأمريكية الخارجية، تناول فيه التاريخ الطويل للتدخلات السياسية والاستخباراتية منذ القرن العشرين، والتي لم تكن يوماً تهدف إلى دعم الديموقراطية والحقوق، وإنما لحماية المصالح الاقتصادية الغربية، وتأمين النفط والطاقة والممرات المائية، مما أدى إلى عدم الاستقرار في مناطق عدة سواء في الشرق الأوسط أو في أمريكا اللاتينية.
الكتاب الآخر هو Confessions of an economic hitman لمؤلفه جون بيركنز، وهو كتاب أثار جدلاً واسعاً لكونه نابعاً من تجارب شخصية للمؤلف، والذي كان يعمل في شركة استشارات هندسية أمريكية، حيث يلخص دوره آنذاك في إقناع الدول الفقيرة بأخذ قروض كبيرة وضخمة تجعلها مُثقَلَة بالديون مما يتيح السيطرة عليها اقتصادياً وسياسياً.
تحدّث في كتابه هذا عن عمليات اغتيال وإسقاط حكومات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وغيرها الكثير من التفاصيل الأخرى التي وردت في الكتاب.
كلما تعقّد المشهد السياسي في العالم، ارتفع منسوب نظرية المؤامرة، هذا أصبح شبه قاعدة، خاصة في ظل تكنولوجيا التواصل والاتصال وسرعة انتشار وتداول المعلومة، واليوم في ظل تراجع دور الإعلام التقليدي، تبدو حركة المعلومات والأخبار غير ثابتة ولا دقيقة أو موثّقة كما في السابق، فكل الاحتمالات، وكل التحليلات مطروحة ومتداوَلَة، سواء كانت موثّقة أم لا. مثل هذه الصورة تقود أحياناً إلى سؤال حول مدى أهمية وجود منصّة إعلام رسمي قد تحمي نوعاً ما من تفاقم حمى نظرية المؤامرة.
فعلى الرغم من كل منصّات التواصل والتطبيقات الالكترونية، إلا أن معظم الناس لا يزالون يطرحون سؤالاً حول مصداقية الخبر وعما إذا تم نشره ورقياً، أي في صحيفة مُعتَمَدَة،
أو في محطة إعلامية موثوقة، فخبر تُورِدهُ رويترز أو الأسوشيتد برس أو أي وكالة أنباء موثوقَة تهتم بمصداقية الخبر ومصادره، هو بلا شك يكون أكثر اعتماداً كخبر صحيح وصادق.
هنالك بلا شك معايير شبه ثابتة تُحدّد مصداقية ومهنية وكالات الأنباء، سواء مملوكة لدول أم ملكية خاصة، أهمها بالدرجة الأولى التمييز بين الخبر والتحليل، وبين وجهة النظر وحيثيات الخبر الفعلية.
وتلك أمور ترتبط وبشكل مباشر بالمناخ الإعلامي المفتوح، والذي يوفّر حرية الحصول على المعلومات وحرية النقد وشفافية المصادر، ففي نهاية الأمر، إذا كانت الحرية توفّر الوصول إلى الحقيقة، فإن الإعلام والصحافة هما الأدوات التي تعمل من خلالها هذه الحرية. وحدها المناطق الرمادية تُشكّل الأرضية الخصبة لرواج نظريات المؤامرة، ففي المناخ المفتوح والشفّاف، يكون من الصعب على نظريات المؤامرة أن تبقى أو أن تستمر، أو على أقل تقدير تكون أي نظرية مؤامرة تفتقد الأدلة والبراهين، خاضعة للاختبار والتحليل حتى لا تكون السردية الوحيدة السائدة.
نقلا عن "القبس"