نهاية حلم الأسطورة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كحال الملايين حول العالم تابعت بذلك الشغف والحماس اللذين تثيرهما كرة القدم في النفوس مباريات كأس العالم، وكحال الملايين العربية، تعاطفت وشجعت المنتخبات العربية حتى خرج واحد في إثر الآخر، حزنت وتعاطفت، لكنني أعرف أن هذه هي كرة القدم، هذا أجمل وأسوأ ما فيها، وفي النهاية يتربع منتخب واحد على قمة هرم الكأس الذهبية، يتربع الأفضل والأقوى والأكثر حظاً والأعلى سعراً وبالتأكيد من يدر مليارات على منظومة اللعبة الأولى في العالم.
بعيداً عن معادلات الربح والخسارة، ودهاليز المليارات والأرباح، لم أستطع حتى اللحظة أن أتخطى اللحظة التي أعلن فيها الحكم انتهاء مباراة إسبانيا والبرتغال بفوز إسبانيا وخروج البرتغال، ومن ثم وقوف كريستيانو باكياً أمام 90 ألف متفرج، هذه اللحظة لا تزال تقف أمامي حتى اللحظة، بعيداً عن التحليلات والتأويلات، فدموع هذا اللاعب لم تكن بالنسبة لي دموع لاعب خسر مباراة، بل دموع إنسان أدرك أنه اصطدم بالخصم الوحيد الذي لا يُهزم.. بالزمن!
كل الهزائم الأخرى يمكن مراجعتها. يمكن أن تعود في الموسم القادم، أو البطولة التالية، أو تحاول بطريقة مختلفة. حتى الأحلام المؤجلة تظل تحتفظ بشيء من الاحتمال، أما عندما يكون الخصم هو الزمن، فإن الهزيمة تأخذ طبيعة مختلفة؛ لأنها ليست هزيمة أمام شخص أو فريق، بل أمام قانون الوجود نفسه.
ما يجعل تلك اللحظة مؤثرة هو أن كريستيانو قضى حياته كلها تقريباً وهو يثبت أن المستحيل قابل للتأجيل. كلما قيل إنه انتهى، عاد. حتى عندما قيل إن العمر هزمه وإنه في الثانية والأربعين سجل أهدافاً جديدة. بدا وكأنه يفاوض الزمن سنوات طويلة، وينتزع منه مواسم إضافية لم يكن أحد يتوقعها، لكنه في تلك الليلة، للمرة الأولى، أيقن تماماً أنه لم يعد هناك فرصة أو موسم آخر. كان ينظر إلى أرض الملعب، لكنه في الحقيقة كان ينظر إلى باب يُغلق إلى الأبد. أدرك أن الملاعب ستظل موجودة، وستقام بطولات كأس عالم أخرى، وستُرفع الكأس مرات كثيرة بعده، لكنه لن يكون هناك لاعباً.. وبعد خروج البرتغال أمام إسبانيا انتهى حلم ظل يطارده أكثر من 20 عاماً، لقد تعاطف العالم مع تلك الدموع لأنها كانت دموعاً صادقة، لم تكن على كأس لم يحملها، بل على زمن لن يعود إليه أبداً.
وربما كان أكثر ما لامس الناس المفارقة نفسها: رونالدو حقق تقريباً كل شيء يمكن أن يحلم به لاعب كرة قدم، لكنه ظل يحمل رغبة طفل يريد كأس العالم.
وعندما انتهى ذلك الحلم، لم تبكِ الأسطورة فقط، بل بكى الطفل الذي ظل يعيش داخله منذ أول مباراة له مع البرتغال. ولهذا رأى كثيرون في دموعه لحظة إنسانية خالصة، قبل أن تكون لحظة رياضية.
نقلا عن "البيان"