دبلوماسية تعتذر وصواريخ تهاجم
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
من أغرب التصريحات التي استمعنا إليها من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ما قاله في رد على استفسار صحفي عما إذا كانوا لا يخشون أن يخسروا علاقتهم مع كل من دولة قطر وسلطنة عمان، بسبب مهاجمتهم لهما.
وهما اللتان تقومان بدور وساطة بينهم وبين الولايات المتحدة، قال إن ما حدث لم يكن خيار إيران، وإنه طلب من القوات المسلحة أن يكونوا حذرين بشأن الأهداف التي يختارونها. وأضاف أن الوحدات العسكرية الإيرانية أصبحت مستقلة ومنعزلة، وهي تعمل وفق تعليمات عامة تلقتها مسبقاً.
وطلب من أشقائهم في المنطقة، ويقصد بهم دول الخليج التي يقصفونها، أن يتفهموا موقفهم كدول جوار، علاقتهم طيبة بهم، لأنهم يقومون بذلك لحماية أنفسهم.
هذا التصريح ليس حديثاً دبلوماسياً عادياً يمكن إدراجه ضمن محاولات تبرير موقف سياسي محرج، وإنما هو اعتراف بالغ الخطورة يكشف جانباً من الاضطراب الذي تعانيه منظومة اتخاذ القرار داخل إيران.
وهو كافٍ لطرح أسئلة كثيرة حول من يحكم إيران، ومن يتخذ قرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهل تملك وزارة الخارجية، أو حتى الحكومة الإيرانية، سلطة حقيقية على القوات التي تنفذ عمليات عسكرية خارج الحدود؟
التصريح ليس تطميناً لدول المنطقة، كما قد يتوهم قائله، وإنما هو مصدر إضافي للقلق. فعندما يقر وزير خارجية دولة بأن وحدات جيشها تعمل بصورة مستقلة ومنعزلة، فإن ذلك يعني أن هذه الدولة لا تملك السيطرة الكاملة على سلاحها، أو أنها تحاول التنصل من مسؤوليتها عن استخدامه. وفي الحالتين تبدو المسألة شديدة الخطورة.
الغريب أن عراقجي يطلب من دول المنطقة أن تتفهم موقف إيران، لأن بلده، حسب قوله، تدافع عن نفسها في مواجهة الولايات المتحدة. لكن هذا المنطق يقلب الحقائق، ويتعامل مع سيادة الدول المجاورة وكأنها مسألة قابلة للتفاوض.
وجود منشآت أو قوات أمريكية على أراضي دولة ما لا يمنح إيران حق مهاجمة تلك الدولة، ولا يعفيها من المسؤولية عن النتائج التي تترتب على إطلاق صواريخها ومسيّراتها عليها، خاصة وأن دول الخليج العربية أكدت أكثر من مرة أنها لا تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها لمهاجمة إيران، فالدول ليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
ما قاله عراقجي يعكس تناقضاً قديماً ومتجدداً داخل النظام الإيراني. فالدبلوماسي الإيراني يتحدث عن حسن الجوار، والحوار، واحترام سيادة الدول، فيما تتحدث القيادات العسكرية بلغة الصواريخ والمسيرات، والتهديد وإغلاق الممرات البحرية.
وحين تقع الهجمات، يظهر الدبلوماسيون لتقديم الاعتذارات والتفسيرات، وكأن وزارة الخارجية تعمل جهازاً لإطفاء الحرائق التي تشعلها المؤسسات العسكرية الإيرانية.
هذا التناقض ليس مجرد اختلاف في الأسلوب بين دبلوماسي وجنرال. إنه ازدواج حقيقي في السلطة والخطاب. فالحرس الثوري يتمتع بنفوذ عسكري وسياسي واقتصادي واسع، ويرتبط مباشرة بالقيادة العليا، بينما تبدو الحكومة ووزارة الخارجية في أحيان كثيرة عاجزتين عن ضبط إيقاع التحركات العسكرية أو توقعها.
وإذا كان كلام عراقجي دقيقاً، فإن المشكلة أكبر مما تبدو عليه، لأن المنطقة تواجه وحدات عسكرية تنفذ تعليمات عامة من دون اتصال كافٍ بقيادتها السياسية. أما إذا كان كلامه مجرد حجة للتنصل من المسؤولية، فإن المشكلة أكثر خطورة، لأنها تعني أن طهران تستخدم الفوضى المؤسسية غطاءً سياسياً لتبرير الاعتداء على جيرانها.
العلاقات الدولية لا تُبنى على المكالمات الهاتفية التي يجريها وزير الخارجية الإيراني بعد سقوط الصواريخ والمسيرات، وإنما على احترام الحدود والسيادة والمواثيق. والاعتذار لا يغيّر حقيقة أن الهجوم قرار تتحمل الدولة التي أطلقته مسؤوليته كاملة.
لقد أراد عراقجي من تصريحه أن يبرر، فكشف، وأراد أن يطمئن، فأقلق، وأراد أن يعفي بلاده من المسؤولية، فأكد أن داخل إيران أصواتاً تتحدث عن السلام، وأيادي تضغط في الوقت نفسه على أزرار الصواريخ، وترسل المسيرات.
وهذه هي المعضلة التي تواجهها دول المنطقة مع إيران، فنحن لا نعرف أي إيران ينبغي أن نصدق؛ إيران الدبلوماسيين الذين يتحدثون عن الجوار والمصالح المشتركة، أم إيران العسكريين الذين يحولون الجوار إلى ميدان حرب؟
إلى أن تجيب طهران عن هذا السؤال بأفعال واضحة، ستظل كل دعوة إيرانية إلى الحوار محاطة بالشك، وستظل كل يد دبلوماسية ممدودة موضع تساؤل، ما دامت اليد الأخرى تطلق الصواريخ والمسيرات.
نقلا عن "البيان"