إنها أوهام إيرانية فحسب
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بلى، مستمرة هي الاعتداءات الإيرانية الإرهابية على مملكة البحرين منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، ومستمر استهدافها الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، عن قصد وسبق إصرار وترصد، برشقات لا تتوقف من الصواريخ الباليستية والمسيرات غير عابئة لا بقانون ولا تشريعات أممية.
هذه هي الحقيقة عارية من كل زيف دعائي يحاول يائسًا إيجاد ما يبرر لما يناقض هذا الواقع المعيش الذي فرض علينا حربًا مع جار ملعون تقصفه أمريكا أو إسرائيل فيستهدف البحرين والكويت والإمارات وقطر وعمان والمملكة العربية السعودية مستثنيا - ويا للعجب - قاعدة إنجرليك في تركيا! وكل هذا ما يسجله التاريخ في سود صفحات سجل إيران البائس وما يحفل به من مفردات الخسّة والسوء والتآمر في تعاملاتها مع جيرانها.
غير أن العجيب أن تمثل هذه الاعتداءات لدى بعضهم علامة «نصر» و«نجاح»! وهذا ما جاء على لسان برلماني إيراني معمم ساقط من داخل البرلمان الإيراني حين تبجح قائلا وتشدق منتشيا بأنهم ألحقوا الأذى باقتصادات الدول العربية، وراح، هذا الساقط، مبتهجا يعدد بصوت مضخم ما أسماه بالانتصارات الإيرانية الكاذبة.
صحيح أن ثمة مبالغات كبيرة في الأرقام التي أوردها، لكنها في الحقيقة تتساوى مع حجم فرحه الشخصي بذلك، وتنم عن مضمرات العداء السافر التي يحتبسها الملالي في صدورهم تجاه دولنا العربية وحكوماتها التي اختارت نهج الحداثة والمدنية والتطوير في بناء دولها بعيدا عن منطق الخرافة والأساطير المؤكدة لقولة ماركس الأثيرة حول أفيون الشعوب.
وليعلم الإيرانيون، بجيشهم و«باسدرانهم» و«باسيجهم» وأذرعهم الممتدة في كل مكان، أن التصديات الشجاعة التي ينهض بها رجال قوة الدفاع البواسل، والحرس الوطني، ووزارة الداخلية، وسائر الأجهزة الأمنية والمدنية، مضافا إليها صمود الشعب البحريني، مستمرة وتؤدي واجبها على أكمل وجه في حماية الأرض وصون سلامة المواطنين ووحدتهم.
وهي تصديات تحبط مقذوفاتهم واعتداءاتهم باحترافية عالية، وتسجل في صفحات التاريخ البيضاء معنى أن يكون المرء حارسًا أمينًا على الأرض والعِرض. وليعلموا أيضًا أن الدفاع عن مملكة البحرين وعن شرعية الحكم فيها دونه الأرواح والمهج. وفي هذا السياق، أكد مجلس الوزراء في جلسته الأسبوع الماضي أن «الاعتداءات تعد انتهاكا صارخًا لسيادة الدول،
ومخالفة صريحة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2817، فضلاً عما تمثله من نكث للتعهدات التي قطعها النظام الإيراني بموجب مذكرة تفاهم إسلام آباد». ودعا مجلس الوزراء دول العالم ومنظماته إلى «القيام بدورها الأممي للحد من هذه الاعتداءات لما تشكله من انتهاك صارخ للقانون الدولي».
والحقيقة التي ينبغي أن تبقى ماثلة للعيان، حاضرة في الأذهان، أن مملكة البحرين ليست جزءًا من النزاع الإيراني الأمريكي حتى تدرجها طهران في قائمة أهدافها العسكرية، ولن تكون كذلك مهما بذل الحرس الثوري من محاولات لصرف الأنظار وخلق عوامل تشتيت تخدم أجندته. غير أن هذا السلوك ليس جديدًا؛ فهو امتداد لذلك الصلف الإيراني في رؤيته النرجسية للواقع وقراءته السياسية المختلة.
فالنظام في طهران يمارس، منذ سنوات، دور «الشرطي» في المنطقة، ويحاول وفق أهوائه ومقولاته الإيديولوجية المتطرفة أن يحدد مسارات السياسة ويملِيها على دول مجلس التعاون، ظانا أنه صاحب الريادة والقيادة، وهو وهم لا تراه إلا إيران نفسها. ومن غرائب السياسات الإيرانية أنها، ما دامت تعادي الولايات المتحدة ودول الغرب المتقدم، تتوهم أن على دول المجلس أن تسير في هذا المسار، وإلا وصفت بأنها «حكومات صهيونية» أو «خادمة للأمريكان». وهذه النظرة الأحادية المتعالية ليست سوى انعكاس لأزمة إدراك عميقة يعيشها النظام الإيراني، وتدفعه إلى تصنيف العالم وفق معايير أيديولوجية لا علاقة لها بالواقع ولا بمصالح شعوب المنطقة.
نجحت إيران لبعض الوقت مع الأحزاب السياسية الدينية وميليشياتها في العراق ومع بعض الأحزاب الدينية في لبنان واليمن آخذة من القضية الفلسطينية غطاء مخادعا؛ فحاولت تجريب لعب هذا الدور مع دول المجلس ولم تنجح ولن تنجح أبدًا حتى لو امتد بها العمر مثل ما مضى، وهذا بحسب كل المعطيات مستحيل. لكنها تعيد الكرة مرة أخرى اليوم بالقوة الجبرية معتقدة أن دول المجلس لقمة سائغة يمكن ابتلاعها بسهولة، ونؤكد لها أن الخسران سيكون حليفا لها.
وظن الحرس الثوري أن إمكانية تركيع دول المجلس في هذه الحرب واردة؛ لتسير في فلك السياسة الإيرانية المنبوذة، ولهذا جاء عدوانها. وإلا لا مبرر أبدا لقيامها بالعدوان على دول مجلس التعاون تحت أي عنوان حتى بعنوان ضرب المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية؛ فالدول هي التي تحدد مصالحها ولا ينوب عنها في ذلك أحد.
إن اعتقاد إيران المبني على أوهام تاريخية بالية بأنها «حارسة بوابة الخليج» ليس سوى وهم كبير يعوزه إدراك حقيقي للمتغيرات الجيوسياسية الهائلة التي شهدها ويشهدها خليجنا العربي. فأمن الخليج وسلامته مسؤولية مشتركة تتقاسمها دوله جميعا، بوصفها دولا ذات سيادة كاملة، وفاعلين إقليميين لهم وزنهم ومكانتهم، لا رعايا في إمبراطورية متخيلة تحلم بها طهران. وسيبقى، دائما وأبدا، كل ما إليه إيران تسعى في الخليج العربي وهما.. فحسب.
وأي خطاب خارج هذا المنطق لن يكون مقبولا، ولا يمكن لعاقل أن يتصور، ولو في خياله، أن تسلم حكومات دول مجلس التعاون المدنية رقابها لنظام ثيوقراطي ديكتاتوري يفتقر إلى أبسط شروط الشرعية السياسية. فالبحرين، ومعها دول الخليج كلها، ليست ساحات مفتوحة لأوهام الهيمنة الإيرانية، بل كيانات راسخة في التاريخ، ثابتة في شرعيتها، صلبة في دفاعها عن أمنها واستقرارها ووحدة شعوبها.
وهكذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى طهران، وهي سادرة في حلم هيمنتها على الخليج العربي، واضحة لا لبس فيها: الخليج العربي ليس بوابة تبحث عن حارس، بل فضاء سيادي متماسك تحرسه دوله وشعوبه، وتدافع عنه بإرادة لا تنكسر، وبوعي لا يخترق، وبثبات لا تهزه صواريخ طائشة ولا حسابات أيديولوجية عمياء.
نقلا عن "الأيام"