.
.
.
.

"داعش" ينعش سوق الأغاني الوطنية مجدداً في العراق

نشر في: آخر تحديث:

تشكّل الأغنية الوطنية لأيّ بلد في العالم ما يشبه الهويّة الفنية والمخزون التراثي الذي غالباً ما تلجأ اليه الدول في الأزمات والتهديدات الخارجية؛ ونادراً ما يتخلف عن أدائها أي مطرب او موسيقى إلا في حالات تقاطع مواقفه السياسية مع الجهة الحاكمة وهي حالات نادرة.

ولم يعرف العراق الأغاني "الحربية" إلا في مراحل متأخرة من قيام دولته متأثراً بالأناشيد والأغاني المصرية التي رافقت صراع العرب مع الإسرائيليين؛ وكان قمة عطاء الأغنية الوطنية مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي والتي أوصلت فن الأغاني الحماسية إلى مرحلة من الإبداع والنضج بحيث تحوّل بعضها إلى ثوابت غنائية في الأعراس والمهرجانات والانتصارات الكروية مثل "يا كاع ترابج كافوري" وأنشودة "منصورة يا بغداد" وغيرها لما تتضمنه من حماس وموسيقى تطريبية عالية؛ وبالتأكيد كانت هناك أيضاً مساهمات هابطة لا ترتقي الى مستوى الحدث أو المعركة والهدف منها هو الانفعال الآني أو إثبات المشاركة خوفاً من المساءلة المتوقعة في مثل هكذا ظروف.

"داعش" أنعش السوق الغنائي

مع هجوم "داعش" الأخير على بعض المدن العراقية بدأت الأغاني التعبوية بالظهور مجدداً بعد أن كاد النسيان يركنها على رفّ الذاكرة؛ وانتعش سوق المطربين والموسيقيين والشعراء الشعبيين بشكل لافت ودخلت القنوات الفضائية العراقية في منافسة بثها لأنّ هناك توجيها صادراً من رئاسة الوزراء بإذاعتها في عموم نقاط السيطرة الموجودة في الشارع وأمام مقار الدوائر الحكومية لكونها تستنهض الهمم لنصرة الجيش وتستنكر الحسّ الطائفي؛ وبات من غير المستغرب أن يظهر المسؤولون من على الشاشات وهم يرتدون الزيّ العسكري ويقفون وسط المجاميع الفنية منشدين للوطن؛ لكن ليس بالنوايا وحدها تنجح الأغنية ولذلك رافق هذا الإنتاج "الكمّي" الكثير من الملاحظات "النوعية".

يقول الملحن جعفر جاسم أبو روزا لـ"العربية.نت": "ما يمكن تأشيره على هذه الأغاني هو الرتابة والضعف الموسيقي في اغلبها كونها تعتمد على الاهزوجة ومغازلة الحدث الآني من دون ان تسعى الى الوصول للعقل او الوجدان؛ ما يوحي بأن الجهات المنتجة قد اعتمدت على المتوفر وأن الاستعجال هو الهمّ المسيطر عليها".

وأضاف: "بالتأكيد هناك استثناءات لكنني أدعو الى أغنية وأنشودة تتناسب مع المعركة التي تخوضها القوات المسلحة وهي تواجه مشروعاً إرهابياً كالمشروع الداعشي".

المجد للشعب لا للحاكم

أما الإعلامي حسين محمد الفيحان فيكتب: "يتوجب على المؤسسات الإعلامية الحكومية وأقصد بها (شبكة الإعلام العراقي) بالدرجة الأولى والقنوات الفضائية الأخرى أن تُعيد للأغنية الوطنية هيبتها من خلال اعتمادها على النوع في الإنتاج لا العدد؛ وان تُعيد النظر في أغان حماسية كثيرة عشقها الشعب وتفاعل معها خلال فترة الثمانينيات بدلاً من أن نقدمها قرباناً وهديةً لأعدائنا لتُبَثَ ليلا ونهارا من على مواقعهم وكأنها تتحدث عنهم".

في حين يذكر الباحث الموسيقي وسام الشالجي أن "الأغنية الوطنية العراقية وبغض النظر عن طبيعة العهود التي مرت بها تمثل تراثاً فنياً لا يمكن تجاهله ومن الضروري الحفاظ عليه، كما أنه يعتبر توثيقاً للمراحل التاريخية التي مر بها البلد؛ لذلك من الضرورة أن يكون التعامل معها بصورة مجردة وبعيداً عن الآراء السياسية بهذا العهد أو ذاك، وأن ينظر اليها فقط من ناحية قيمتها الفنية بغية الحفاظ على التراث الفني الوطني خوفا عليه من الضياع بعد أن أصبح مهدداً بذلك".