.
.
.
.

هل يسعى أكراد العراق لدولة مستقلة رسمت خريطتها بالدم؟

نشر في: آخر تحديث:

أثار مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، مرة أخرى مسألة انفصال الإقليم عن العراق، إضافة إلى المناطق المتنازع عليها مع حكومة بغداد.. أمر قد يكون بداية لصراع محتمل يبدأ بعد هزيمة داعش في العراق أو حتى قبلها.

فمحاولة الكُرد للانفصال عن العراق ليست جديدة، لكن الجديد اليوم هو أنهم يمتلكون السيطرة على مناطق متنازع عليها بفضل احتلال داعش لمناطق واسعة في شمال العراق، ومن ثم تحرير بعض المناطق المحاذية لحدود إقليم كردستان على يد قوات البيشمركة الكردية وأهم هذه المناطق هي كركوك الغنية بالنفط، ومن المؤكد أن بارزاني والكُرد لا يريدون الانفصال من دون هذه المناطق خاصة كركوك، التي يعتبرونها ركيزتهم الاقتصادية الأهم في دولة يطمحون إلى تأسيسها.

قبل أن يهاجم داعش مناطق في إقليم كردستان، استولت القوات الكُردية صيف عام 2014 على كركوك وبعض المناطق الأخرى إثر انسحاب الجيش العراقي منها، وقال حينها بارزاني في مقابلة مع قناة "صوت أميركا": "حان للكُرد في العراق تقرير مصيرهم".

وبعد لقائه بقناصل وممثلي دول أجنبية في أربيل، أصدر بارزاني بيانا أكد فيه أن "قوات البيشمركة متمركزة في (المناطق المتنازع عليها) لحماية أرض وعرض أهالي كردستان من أي هجوم للإرهابيين، ولن تنسحب البيشمركة من تلك المناطق بأي شكل من الأشكال".

في هذه الفترة طرحت اتهامات كثيرة لبعض الأطراف في إقليم كردستان بمساعدة داعش أو غض النظر عمن يدعمون التنظيم.

ولكن فوجئ بارزاني ورجاله بهجوم تنظيم داعش على أراض يسيطر عليها الكُرد ومنها تابعة رسميا لإقليم كردستان فاصطدمت المحاولات للانفصال هذه المرة بعائق التنظيم الإرهابي ولولا التدخل الأميركي بالدرجة الأولى ومن ثم تشكيل التحالف الدولي، فربما كانت عاصمة إقليم كردستان العراق أربيل هي الأخرى من المناطق التي وقعت تحت سيطرة داعش.

وبمساندة دولية نظمت قوات البيشمركة صفوفها وخاضت قتالا عنيفا ضد تنظيم داعش وانتزعت السيطرة على الكثير من المناطق التي كان قد احتلها داعش وفرضت سيطرتها ليس على مناطق الإقليم فقط بل على الكثير المناطق المتنازع عليها مع حكومة بغداد.

وبعد أن عاد الأمان النسبي لإقليم كردستان، أعاد قادة الإقليم حديثهم عن الانفصال وجاء في هذا السياق أمر أصدره بارزاني لبرلمان الإقليم العام الماضي لإيجاد الأرضية القانونية لاستفتاء "تقرير المصير" وهو أمر لم يحدث حتى الآن.

معركة الموصل وتقرير المصير

وتشارك قوات البيشمركة في معركة تحرير الموصل انطلاقا من المناطق الشمالية، وها هي اليوم تتحرك في محور بعشيقة وتحاول اليوم تحرير البلدة بعد أن حررت عدة قرى في ضواحيها.

وقبل عمليات الموصل، زار مسعود بارزاني بغداد حيث التقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وعدداً من القيادات السياسة، وجرى الاتفاق على حدود مشاركة قوات البيشمركة. ولم يعلن تفاصيل الاتفاق حتى الآن إلا أن بعض التسريبات تؤكد أن قوات البيشمركة لن يدخلوا أحياء الموصل حسب الاتفاق.
ولكن مسعود بارزاني تحدث يوم الأربعاء 16 نوفمبر عن بعض بنود الاتفاق وهو ما نفت حكومة بغداد.

وبحسب قناة روداوو تحدث بارزاني عن وجود اتفاقية بين وزارة البيشمركة ووزارة الدفاع الاتحادية ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بشأن تواجد قوات البيشمركة في الخط الدفاعي الموجود قبل بدء عمليات تحرير الموصل.

وقال بارزاني في كلمة لدى زيارته إلى بعشيقة شمال شرقي الموصل وتابعته السومرية نيوز إنه "لدينا اتفاقية بين وزارة البيشمركة والبنتاغون ووزارة الدفاع العراقية"، مؤكداً أنه "بحسب الاتفاقية فإن تواجد البيشمركة في الخط الدفاعي قبل بدء عمليات تحرير الموصل لا مناقشة عليه".

وتشير تصريحات بارزاني على ما يبدو إلى أن الأكراد حريصون على توسيع إقليمهم شبه المستقل في شمال العراق ليشمل القرى والبلدات المحيطة التي انتزعوا السيطرة عليها من داعش.

ويبدو من هذه التصريحات أن بارزاني يسابق الزمن للوصول إلى ما يطمح إليه. إن لم يكن الاستقلال فهو توسيعه الإقليم وضم مناطق تكون مفيدة للاقتصاد المنهار في الإقليم.

وبعد خطاب بارزاني قد رفض الخميس رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم الخميس تصريحات بارزاني، إذ جاء في بيان صادر عن مكتبه، "نود التأكيد على أن الاتفاق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان حول تحرير محافظة نينوى، لا يزال ثابتاً ولا يوجد أي تغيير فيه، حيث تقاتل قوات البيشمركة جنباً إلى جنب مع القوات العسكرية الاتحادية لتحرير المحافظة من إرهاب داعش".

وشدد البيان على أن "الاتفاق يتضمن بندا صريحاً بانسحاب قوات البيشمركة من المناطق المحررة بعد تحرير الموصل إلى أماكنها السابقة التي كانت تمسكها قبل انطلاق عمليات التحرير، وهذا الأمر تم تطبيقه في عدد من المناطق، أما المناطق التي كانت تتواجد فيها قوات البيشمركة في فترة الحكومات السابقة والتي تم تحرير بعضها قبل بدء عمليات الموصل فلم يتم أي اتفاق جديد بشأنها وهي خاضعة للنصوص الدستورية في تحديد عائديتها".

وبعد هذا التكذيب، حاولت رئاسة إقليم كردستان تبرير خطاب بارزاني وإلقاء اللوم على وسائل الإعلام بتحريفه عن سياقه.

وقدمت الرئاسة في بيانها "توضيحاً" حول خطاب بارزاني في بلدة بعشيقة المحررة من أيدي "داعش"، حول "انسحاب أو بقاء قوات البيشمركة" في المناطق المحررة، وأشارت إلى أن الخطاب ترجم "بصورة خاطئة"، وأكدت التزام بارزاني "بأي اتفاق مبرم مع الحكومة المركزية في بغداد حول هذا الموضوع".

ولو صدقت رئاسة إقليم كردستان بوجود "تحريف في الترجمة"، فإن ما قاله بارزاني حول بقاء قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها، تكرر عدة مرات في وسائل الإعلام الكردية ومنها قناة روداوو المقربة من حكومة أربيل.

حدود رسمت بالدم

ولو صدقت الرئاسة الكردية في تصحيح العبارة المذكورة، فإن خطاب بارزاني حمل أكثر من هذه الجملة، حيث قال إنه بحث بوضوح مع الحكومة العراقية مسألة "استقلال" إقليم كردستان وتحدث عمّا سمّاه "الواقع الجديد" الذي يتولد من سير المعارك.

وقال رئيس إقليم كردستان في خطابه أيضا: "الاستقلال حق طبيعي لشعبنا ونحن لن نتنازل عنه تحت أي ظرف أو ضغط. وخلال زيارتنا الأخيرة إلى بغداد، طرحنا هذا الأمر بكل صراحة ووضوح. وقد لمسنا تجاوبا من الطرف الآخر. وما دمنا لم نتمكن من بناء شراكة حقيقية، تعالوا لنبني جيرة حقيقة، فلا يمكن أن نخوض جولة أخرى من الحرب والدم".

وعاد بارزاني هنا وتحدث مرة أخرى عن المناطق المتنازع عليها وأشار إلى 11500 قتيل وجريح من قوات البيشمركة، سقطوا خلال ما وصفها بتحرير "المناطق الكردستانية"، نافيا إمكانية الانسحاب منها، أو أن تتعامل هذه المناطق مع بغداد مباشرة؛ وکأن الزعیم الكردي في حدیثه عن الانفصال، یتحدث عن حدود رسمت بالدم.

ولا غرابة في حديث بارزاني نظرا إلى سياساته، وقبل أشهر أصدر أمرا رئاسيا بتغيير اسم المناطق المتنازع عليها وتسميتها "المناطق الكردستانية خارج الإقليم" واستحدث لها منصبا وزاريا يحمل الاسم ذاته.

ومن هنا وحسب خطاب بارزاني وسياساته، نرى أن مشاركة قوات البيشمركة في عمليات تحرير الموصل، ليس هدفها مصلحة الدولة العراقية، بل هي تهدف لدولة جديدة رسمت خريطتها بالدم.

هدم الدور والقرى العربية

وتحدث بارزاني عن الدم الكُردي. فهل الأمر منحصر بهذا أم يشمل الدم العربي أيضا؟

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان يوم الأحد 13 نوفمبر إن القوات الكردية في العراق، البيشمركة، هدمت بشكل غير مشروع على مدى السنتين الماضيتين مساكن وقرى عربية في محافظتي كركوك ونينوى العراقيتين في مناطق طرد منها مسلحو داعش، فيما قد يرقى إلى جريمة حرب.

وأضافت المنظمة الحقوقية أن عمليات تدمير المنازل وقعت في مناطق متنازع عليها شملت 21 بلدة وقرية في الفترة بين سبتمبر 2014 ومايو 2016.

وقال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "دمرت قوات الأمن الكردية منازل العرب، قرية تلو الأخرى في كركوك ونينوى - ولكن حافظت على منازل الأكراد - بدون أي هدف عسكري مشروع. الأهداف السياسية لمسؤولي حكومة إقليم كردستان لا تبرر هدم المنازل بشكل غير قانوني".

وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية أدلة على تعرض 62 منزلا للهدم من طرف البيشمركة بعد استعادتها من داعش.

وذهبت هذه الصور إلى أن المنازل المعنية هُدِّمت بعد وقت طويل من انتهاء العمليات الأمنية.

وأضافت المنظمة الحقوقية الدولية أن قلة الشهادات المتوافرة تجعل من الصعب تحديد الأسباب والمسؤوليات عن هذه الحوادث.

وحثت منظمة هيومن رايتس ووتش أعضاء التحالف الدولي الذي يدعم الحكومة العراقية في معركتها ضد تنظيم داعش للضغط على السلطات الكردية من أجل إنهاء عمليات الهدم.

العقبات الكبرى

"لو كانت هذه نية الكُرد في العراق، فإن أمامهم طريقاً طويلاً ووعراً.. فهناك الوضع الداخلي في العراق أولا" بيان رئاسة الوزراء العراقية تصرح بأن الحكومة لم توافق حتى الآن لضم المناطق المتنازع عليها لإقليم كردستان.
ولو سلمنا جدلا بأن الحكومة العراقية سوف توافق على هذا الطموح الكردي، فهل الحكومة مستقلة وقوية لتتمكن من إرغام جميع الشرائح في المجتمع وكل الأحزاب السياسة والحركات للخضوع أمام القرار؟

هل السنة في العراق سوف يقبلون بفقدان مناطق ذي أهمية اقتصادية كبيرة لهم؟ وهل الميليشيات الشيعية الموالية لإيران سوف ترضى بانفصال كردستان خاصة بالحدود الذي يطمح لها؟ وقد شاهدنا من قبل عدة جولات من القتال بين قوات البيشمركة وميليشيات الحشد الشعبي في مناطق عدة خاصة منطقة طوزخورماتو. واليوم توسع ميليشيات الحشد الشعبي نفوذها في كركوك أيضا والحجة موجودة وهي "التركمان الشيعة".

وها هي إيران المجاورة التي تواليها ميليشيات الحشد الشعبي ولها نفوذ ليس فقط في الحكومة العراقية بل في أحزاب إقليم كردستان، تحذر مرارا من انفصال الإقليم وربما السبب هو خشية إيران من إثارة النزعة الانفصالية في بعض مناطقها التي يسكنها العرب والكُرد والبلوش والترك وغيرهم من الأقليات.

وتركيا التي لها أطول حدود مع إقليم كردستان هي المعارضة الكبرى لاستقلال الإقليم، وكما تتدخل اليوم في الشمال السوري منعا لتشكيل إقليم كُردي كبير هناك، من المحتمل أن تتدخل في الشمال العراقي أيضا. وقبل أكثر من عقد كان قد هدد بعض المسؤولين في تركيا بتدخلهم العسكري في شمال العراق في حال ضم الإقليم الكردي محافظة كركوك لأراضيه. فالجالية الكُردية الراغبة للانفصال في جنوب تركيا، كبيرة والحركات المسلحة الانفصالية تحارب حكومة أنقرة منذ ثلاثين عاما.

ويضاف هذا إلى ضرورة إقناع القوى الكبرى. وهل الظروف مهيأة للاستقلال وهل كُرد العراق سيتمكنون من عبور كل هذه العقبات؟