.
.
.
.

من يتحدى بغداد أكثر.. "بارزاني البيشمركة" أم الرئيس؟

نشر في: آخر تحديث:

مساء الأحد 29 أكتوبر 2017 في خطابٍ له بعد إعلانه التنحي عن رئاسة #إقليم_كردستان العراق، قال مسعود بارزاني: "أنا ما زلت مسعود بارزاني. أنا فرد من البيشمركة، وسأواصل مساعدة شعبي في كفاحه من أجل الاستقلال".

وها هو بارزاني يترك منصب رئاسة إقليم كردستان كما كان قد أعلن سابقاً، لكن هذه الخطوة أتت في ظروف معاكسة لما أراد له بارزاني أن يحصل.

وقال بارزاني في مقابلة مع تركي الدخيل على قناة "العربية" قبل استفتاء الاستقلال الذي أجراه الإقليم يوم 25 سبتمبر/أيلول، في تأكيد منه على أنه لن يتشرح لدورة رئاسية أخرى: "عندما يتحقق استقلال كردستان أو يكاد يتحقق تنتهي مهمتي". ولكن الآن وبناءً على حسابات الورق، فإن كردستان ابتعد عن الاستقلال بخطوات كثيرة، إن لم يحصل تغيير درماتيكي في المشهد السياسي والعسكري.

ثلاث روايات لبارزاني عن هدف الاستفتاء

في مناسبات عدة ومنها مقابلته مع تركي الدخيل، برر بارزاني إصراره على هذه الخطوة بـ"السياسات العراقية"، وأكد أن الأكراد سعوا كثيراً "لبناء عراق موحد ديمقراطي"، لكن "التجربة فشلت"، حسب قوله.

وأوضح في حواره قائلاً: "فشلنا في بناء الشراكة مع بغداد، لذلك اضطررنا لهذه الخطوة، ولو نجحنا في بناء شراكة مع بغداد لما كان قرار الاستفتاء".

وفي نفس المقابلة، أكد بارزاني أن هدفه منذ بداية نشاطه كان استقلال كردستان وقال: "منذ أن رفعت السلاح سنة 1962 كان هدفي تحقيق الاستقلال لشعبي".

وها هو بارزاني، مساء الأحد، يأتي برواية جديدة عن نفس الموضوع، وقال: "إن الاستفتاء كان الحل الوحيد لحل كافة المشكلات العالقة مع بغداد، وجاء باتفاق كافة القوى السياسية في كردستان".

ومن المعلوم أنه بناء على المشهد السياسي والمواقف المعلنة فإن أي خطوة نحو الاستقلال كانت ستزيد التوتر بين بغداد وأربيل كما حصل الآن، ولن تحل المشاكل العالقة، فهل يعترف بارزاني أنه كان ينوي إرغام بغداد على بدء مفاوضات جادة بتهديدها بالانفصال!؟.

الخلافات الكردية - الكردية تشتد

وفي خطابه الأخير، عاد بارزاني ووصف الحزب الرئيسي المنافس له أي "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" بـ"الخائن"، وحمله مسؤولية الانتكاسات الكبيرة التي مني بها أكراد العراق بعد الاستفتاء، أي الانسحاب من المناطق المتنازع عليها مع بغداد، وإنهاء سلطتهم على المعابر الحدودية، في إشارة إلى ما يحصل منذ يوم 16 أكتوبر عندما تقدمت القوات العراقية بشكل سريع خاصة في كركوك.

وقال بارزاني: "لم نتوقع أن نتعرض لخيانة عظمى في ليلة 16 أكتوبر الحالي في كركوك، تلك الخيانة التي سلمت كركوك وكانت كطعنة خنجر مسموم بظهر الشعب الكردستاني وقوات البيشمركة، حيث كنا نعلم أن هناك خططاً لمهاجمة كركوك حتى لو لم يحصل الاستفتاء، إلا أن هذه الخيانة الكبيرة أدت إلى انهيار معنويات البيشمركة والشعب الكردستاني".

على ما يبدو فإن بارزاني يشير إلى انسحاب قوات البيشمركة التابعة لحزب الاتحاد الوطني من كركوك، ومن خلال هذه التصريحات يبدو أنه يريد أن يحمل من يصفهم بـ"الخونة" مسؤولية الأزمة الحاصلة وجميع الانتكاسات الأخيرة.

ورغم هذا، يعترف بارزاني في نفس الخطاب بخطورة الوضوع، واحتمال إراقة الكثير من الدماء إن حدثت مقاومة من قبل القوات الكردية.

وتابع بارزاني في خطابه: "البيشمركة حاولت تفادي الاشتباكات، لكن قوات الحشد الشعبي كانت مصرة على هذه المعركة في جميع المناطق"، وأوضح: "أن البيشمركة انسحبت من كركوك حقنا للدماء".

اللغة البارزانية هذه التي ربما جاءت لمنع الأحزاب المنافسة من الصعود لرئاسة الإقليم، أحدثت شرخاً كبيراً في الصف الكردي، وإن لم تتم السيطرة عليه فإنه يقترب من حرب أهلية كردية، خاصة أن السلاح منتشر في إقليم كردستان، وجميع الأحزاب الكردية مسلحة.

وظهرت أول بوادر التوتر بعد خطاب بارزاني مباشرة، حيث أعلنت حركة التغيير الكردية (كوران) وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في بيانين منفصلين أن عددا من المقرات التابعة لهما في منطقة دهوك الواقعة شمالي أربيل عاصمة كردستان العراق تعرضت لعمليات نهب وحرق خلال ليل الأحد. وهناك أيضا تقارير تتحدث عن تنظيمات جديدة تتشكل لمعارضة بارزاني وحزبه الديمقراطي الكردي.

استمرار التأثير البارزاني في الساحة الكردية

مما لا شك فيه، لبارزاني وحزبه الكثير من المؤيدين، ومهما كانت الانتكاسات سوف يتبعونه ويأتمرون بأوامره، فوالده الملا مصطفى بارزاني كان مسؤولاً عسكرياً في جمهورية مهاباد الكردية التي قامت عام 1946 واستمرت نحو عام واحد قبل أن تقضي عليها إيران.

ويعبر بارزاني عن قيم وتقاليد المجتمع الكردي العشائري، كما أن لعائلة بارزاني مكانة دينية في كردستان، ولها تاريخ طويل في العمل في سبيل حقوق الأكراد، إذ إن السلطنة العثمانية أعدمت جده مسعود الشيخ عبد السلام بارزاني عام 1914 بعد قيادته تمرداً مسلحاً ضد الحكم التركي لكردستان.

بعد وفاة الملا مصطفى اختير مسعود بارزاني في عام 1979 رئيساً للحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 وانتفاضة الأكراد ضد #الحكومة_العراقية بدأ فصل جديد في حياة بارزاني السياسية. فقد أعلن التحالف الغربي المنطقة الكردية ملاذاً آمناً، وسحبت الحكومة المركزية قواتها وإدارتها من المنطقة، فتقدم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لملء هذا الفراغ.

وهكذا تحول مسعود من زعيم حزب يشن حرب عصابات ضد بغداد إلى رجل دولة مسؤول عن ملايين المدنيين في مناطق كردستان العراق الخارجة عن سيطرة #صدام_حسين.

ويعتبر مسعود بارزاني زعيماً كردياً وعشائرياً ذا نفوذ وتأثير كبير في الساحة الكردية.

هل يشكل بارزاني البيشمركة تحدياً أكبر لبغداد من بارزاني الرئيس؟

كان في خطاب بارزاني الذي ألقاه مساء الأحد، عدة جمل مهمة وذات دلالة كبيرة على النهج الذي سيتبعه بعد انتهاء رئاسته على الإقليم.

قال بارزاني: "لن يستطيع أحد أن يمحو أصوات 3 ملايين شخص طالبوا بالاستقلال"، وبالتأكيد أنه رغم الانتكاسات، فإن الاستفتاء كان حقيقة أجراها بارزاني على الأرض، وسوف يؤكد عليها دائماً مؤيدو الخطوة بأنها كشفت رغبة #الشعب_الكردي رغم كل ما جرى بعدها.

وأعلن بارزاني أنه لن يستمر في رئاسة الإقليم، لكنه تحدث من موقع قوة، موقع شخص عازم على خوض السياسة والعسكرة معاً، ليس من موقع رئيس الإقليم، بل من موقع قائد ذي نفوذ كبير، حيث قال: "أقول للحكومة في بغداد إذا كانت نيتكم تطبيق الدستور فنحن مستعدون للحوار وحلحلة المشاكل، وإذا كنتم تريدون كسر هيبة ومس كرامة الشعب الكردستاني وفرض إرادتكم بالقوة فأنا أؤكد لكم أننا على استعداد أن نضحي بحياتنا، وألا نسمح لأي أحد بمس كرامتنا ولآخر نفس فينا"، كلمات كانت لها وقعها على قلوب مؤيديه.

وأكد: "أنا فرد من البيشمركة وسأواصل مساعدة شعبي في كفاحه من أجل الاستقلال"، فهل يشكل بارزاني "البيشمركة" ذو الشعبية تحدياً أكبر لبغداد ولمعارضي استقلال كردستان من بارزاني "الرئيس"؟.