.
.
.
.

المرجع الحكيم.. الأمين على إرث النجف وسلمها!

يمثل آية الله محمد سعيد الحكيم، رمزاً فقهياً من رموز الحوزة العلمية بمدينة النجف، بما يحمله من امتداد معرفي وأخلاقي لأدبيات هذه المدرسة

نشر في: آخر تحديث:

المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم، الذي توفي في 3 سبتمبر الجاري، بمدينة النجف العراقية، كان أحد المرجعيات البارزة للمسلمين الشيعة، ليس في العراق وحسب، بل كان له مقلدون في دول الخليج العربي، وإيران، ولبنان، وباكستان، وأفغانستان، والهند، فضلاً عن الولايات المتحدة الأميركية، والقارة الأوربية.

السفارة السعودية في العاصمة بغداد، نعت المرجع الحكيم عبر حسابها في "تويتر"، حيث جاء في تغريدة نشرت في 4 سبتمبر الجاري، ما نصه "تتقدم سفارة المملكة العربية السعودية بخالص التعازي والمواساة للشعب العراقي الشقيق برحيل المرجع الديني آية الله العظمى السيد (محمد سعيد الحكيم) ونبتهل إلى الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيحَ جناته وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون".

من جهتها، عزت "رابطة العالم الإسلامي" أهل وذوي ومحبي المرجع الحكيم، في تغريدة نشرها حسابها الرسمي بمنصة "تويتر".

لقد كان "عنواناً للسلام والمحبة والوئام في ربوع المنطقة"، هكذا وصفت الراحِلَ الحكيم، السفارة الأميركية في بغداد، خصوصاً أنه طالما كان داعياً لأن يُبنى العراق عبر المسار السياسي بعيداً عن العنف والإرهاب والصراع الطائفي.

السيد محمد سعيد الحكيم مستقبلا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري
السيد محمد سعيد الحكيم مستقبلا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري

إرثُ النجف

يمثل آية الله محمد سعيد الحكيم، رمزاً فقهياً من رموز الحوزة العلمية بمدينة النجف، بما يحمله من امتداد معرفي وأخلاقي لأدبيات هذه المدرسة، التي جرت عادتها على الحفاظ على أمن وسلامة المؤمنين، ورعاية شؤونهم، وحل مشكلاتهم، وإعانة الفقراء، والإفتاء في المسائل الفقهية المختلفة، بعيداً عن الانخراط المباشر في السياسة، كما تنفرُ من الانضمام للأحزاب وجماعات "الإسلام السياسي".

بهذا المعنى، كان المرجع الحكيم، أحد النماذج الرئيسية التي تتمثل فيها هذه المسلكِية. ورغم أن المرجع الديني السيد علي السيستاني يعتبر في الزمن الحالي الوجه الأبرز للحوزة العلمية في النجف والمرجعية العُليا، إلا أن الراحل الحكيم كان له أتباعُ كُثر، وكان المرشح الأبرز ليتولى منصب "المرجعية العُليا" بعد السيستاني، إلا أن المنية وافته إثر نوبة قلبية مفاجئة.

الحكيمُ الذي قطن منزلاً متواضعاً، ينمُ عن زهدٍ وابتعاد عن الملذات، طالما كان يوصي زواره بأهمية الحفاظ على السلم الاجتماعي، والابتعاد عن الفتن، وضرورة حماية الأوطان، والالتزام بالقانون، وهذا ديدنُ "مدرسة النجف" وما جرت عليه عادة كبار فقهائها.

السيد محمد سعيد الحكيم مستقبلا السفير الإندونيسي في العراق
السيد محمد سعيد الحكيم مستقبلا السفير الإندونيسي في العراق

ترسيخُ الحوار

هذا المسكنُ الزهيد في معماره، كان مقصداً لمختلف زوار مدينة النجف، من سياسيين وباحثين وإعلاميين وسفراء، من مختلف الأديان والمذاهب، حيث طالما استقبل المرجع الحكيم شخصيات من تيارات عدة، كانت تجد لديه القدرة على الحوار المنفتح دون عُقد.

في إحدى المرات، زاره وفدٌ من رجال الدين المسيحيين، استقبلهم بحفاوة، وقال لهم: أنتم تبحثون عن الحقيقة، وأنا أبحث عن الحقيقة، فتعالوا نبحث عنها سوية. وبحسب راوِية القصة لـ"العربية.نت" والذي كان حاضراً، يقول: كان السيد الحكيم في هذا المجال شخصية غير تقليدية بالمعنى الكلاسيكي، فقد كان محباً للحوار مع مختلف العلماء والإعلاميين والباحثين، وكان يجلس ويستمع ويتحدث لهم بحيوية كبيرة، وكان مجلسه عامراً بزوار النجف.

معاناة آل الحكيم

منهج الحكيم في الابتعاد عن العمل السياسي، لم يجعل آية الله محمد سعيد الحكيم في مأمنٍ، فقد تعرض للمضايقات الأمنية، ومع هذا استمر في التدريس وملازمة الحوزة العلمية والتأليف. كما أنه زُج به في السجن إبان حُكم الرئيس العراقي السابق صدام حُسين، حيث قبع في الحبس سنوات عديدة، من العام 1983 وحتى العام 1991، وبعد أن أُطلق سراحه وذهب خارج العراق في رحلة للعلاج، نصحهُ البعض بالجلوس في المهجر، إلا أنه رفض ذلك، وأصر على العودة، واعتبر أن وجوده في الحوزة العلمية ومع العراقيين أمرٌ ضروري، وأنه لا يمكن أن يخذل "المؤمنين" الذين ينتظرون عودته.

المرجع محمد سعيد الحكيم مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي السيد جان إيف لودريان
المرجع محمد سعيد الحكيم مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي السيد جان إيف لودريان

السيد محمد سيعد الحكيم، هو سِبطُ المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة السيد محسن الحكيم، الذي توفي العام 1970، والذي كان شخصية تحظى باحترام واسع، حيث زاره في منزله بمدينة النجف، أمير البحرين الراحل الشيخ عيسى آل خليفة، وكان له مكانة لدى شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي. وعندما عزم السيد الحكيم على الحج، إبان عهد الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، حظي باستقبال خاص، وحفاوة بالغة. وكان في مقدمة مستقبليه الأمير فهد بن عبد العزيز آل سعود، الذي كان وزيراً للداخلية حينها - والذي أصبح تالياً ملكاً للسعودية بعد أخيه الملك خالد بن عبد العزيز - وكان بمعيتهِ في الاستقبال د.رشاد فرعون المستشار الخاص للملك فيصل بن عبد العزيز، والسيد أحمد عبد الوهاب رئيس المراسم الملكية.

والدُ السيد محمد سعيد الحكيم، هو آية الله السيد محمد علي الحكيم، وكان أستاذاً وفقيهاً بارزاً.

كون السيد محمد سعيد الحكيم، من نسلِ هذه الأسرة العلمية، جعله يتعرض للعديد من المضايقات التي طالت العائلة، حيث جرى قتلُ وتعذيب واختطاف العشرات منهم، رجالاً ونساءً وأطفالاً؛ فضلاً عن عشرات الهاربين خارج العراق، خوفاً من بطشِ نظام "البعث" الذي كان على خصومة مع العائلة الدينية، التي انخرط بعض رموزها في العمل السياسي، مثل الراحلين: محمد باقر، ومهدي، وعبد العزيز، أبناء المرجع محسن الحكيم، إبان تكوين "حزب الدعوة الإسلامي"، والنشاط ضد "الشيوعية"، وتالياً خروج عددٍ من قادة الحركة الإسلامية العراقية إلى المنافي، وتأسيس "المجلس الشيعي الأعلى".

الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني أثناء زيارته المرجع الراحل محمد سعيد الحكيم
الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني أثناء زيارته المرجع الراحل محمد سعيد الحكيم

الحذرُ من السياسة

رغم وجود تاريخ سياسي لبعض رموز عائلة "الحكيم"، والقرابة اللصيقة بين شخصيات مثل السيد محمد باقر والسيد عبد العزيز الحكيم، اللذين أمضيا سنوات طويلة في إيران، معارضين لنظام الرئيس السابق صدام حسين، رغم هذه القرابة مع السيد محمد سعيد الحكيم، إلا أنه بقي بعيداً عن السياسة بمعناها العملي، وفضل أن يكون فقيهاً كلاسيكياً بين متون الكتب والدرسِ وقضاء حوائج الناس. ولذا، لم يكن مؤيداً لنظرية "ولاية الفقيه العامة"، وكانت لديه تحفظات على سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصاحب نزعة مؤيدة لاستقلال القرار الوطني العراقي، وعدم إلحاقه بالقرار الإيراني تحت ذريعة "التشيع"، لأنه لم يكُن ينظر لـ"التشيع" بوصفه رابطة سياسية، وإنما مذهباً إسلامياً لُبه محبة آل بيت النبي محمد والولاء لهم.

العارفون بوالده آية الله محمد علي الحكيم، ينقلون عنه مواقفه "الناقدة" لعددٍ من سياسات الثورة الإيرانية، وهو نقد وإن لم يظهر علناً لدى الراحل آية الله محمد سعيد الحكيم إبان توليه المرجعية، إلا أن القريبين منه يعلمون أنه كان من المعارضين لاستخدام الدين لأغراض سياسية، وكان مع تجنيب المسلمين الشيعة في العراق والخليج العربي أي سلبيات ناتجة عن السياسات الإيرانية وخلافاتها مع بعض دول المنطقة.

هل يعني ذلك أن الحكيم كان انعزالياً؟ بالتأكيد لا، فقد كان مجلسه مفتوحاً، واستقبل شخصيات عراقية ودولية عدة، منهم الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، وسفير مملكة السويد بمنظمة المؤتمر الإسلامي وحوار الأديان يواكيم بير جستروم، فضلاً عن السفراء الأوربيين في العراق، وسفراء الدول العربية والإسلامية، وشخصيات دولية عدة، حيث كان يطرح عليهم بعض الأفكار المتعلقة بالقضايا التي تهمُ الجانبين، وتشكل مصلحة عامة للناس، ويحثُ دائماً على التواصل والحوار ونبذ العنف.

العمل المؤسساتي

كان المرجع الحكيم يتحرك عبر مكاتبه الموزعة في أكثر من دولة، وهي كانت بمثابة أذرع رعاية اجتماعية وعلمية وخدمية، وأيضاً علاقات عامة، استطاع من خلالها أن يكون شبكة واسعة، حولته إلى مرجعية نشطة فاعلة، دون أن تدخله في صدامٍ مع حكومات الدول التي تعمل تحت نظرها حوزاته العلمية وجمعياته الخيرية.

"مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية"، "مؤسسة اليتيم" التي تعيل أكثر من 100 ألف يتيم وأكثر من 40 ألف أرملة، مكاتب إغاثة اجتماعية واقتصادية في دول عدة: أفغانستان، إيران، سوريا، لبنان.. نحو 7 مدارس علمية في العراق.. مجرد أمثلة على المؤسسات التي كان تحت إدارة مرجعية الراحل آية الله الحكيم، ومن المتوقع أن تستمر في أداء مهامها، خصوصاً أن عملها لا يقتصر على العراق وحسب، بل تخدم عشرات آلاف المحتاجين وطلاب العلم في دول عدة.

رغم رحيل المرجع محمد سعيد الحكيم، وما يمثله من إرث "الحفاظ على مصالح وأمن" الناس، فإن هذه المنهجية باقية، كونها امتداد لإرثٍ نجفي بات اليوم لصيقاً ليس بوجدان "الشيعة" وحسب، بل جميع المؤمنين بأهمية الاعتدال والسلم الأهلي والتعايش السلمي بين المكونات المختلفة.