الورقة المنفلتة
هل بدأ العد التنازلي في اتجاه حل الأزمة السورية؟ السؤال على هذا النحو لم يعد وارداً لدى أكثر المتفائلين في شأن إطلاق المبادرة الروسية - الأمريكية، ومع ذلك يبدو أن المتشائمين مما جرى في حيرة .
ربما أن هذا المشهد يقدم صورة تقريبية لطبيعة الاتفاق الروسي - الأمريكي الذي جمع في آن بين تجاوز روسي بالتمسك النصي بنتائج مؤتمر جنيف المنعقد في 30 يونيو/حزيران 2012 وبين إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بن الطريق إلى حل الأزمة السورية يمر عبر التسوية السياسية .
في السابع من الشهر الجاري أطلق وزيرا خارجية الولايات المتحدة جون كيري وروسيا الاتحادية سيرغي لافروف ما بات موصوفاً ب”المبادرة” في اتفاق “على الدفع باتجاه السلام في سوريا” .
خطوط المبادرة التي تقوم بالأساس ليس على الاتفاق فقط بل العمل المشترك من جانب روسيا والولايات المتحدة تشمل في ما تشمل عقد مؤتمر دولي سمي ب “جنيف 2” من شأنه تطوير بيان جنيف الصادر في يونيو/حزيران العام الماضي والعمل “على تشجيع الحكومة السورية والجماعات المعارضة لإيجاد الحل السياسي”، وب “ضرورة تحديد وبشكل مشترك من الحكومة والمعارضة أطر ومستقبل وآليات تحقيق التزامات جنيف”، وأن الطرفين الروسي والأمريكي “اتفقا أيضاً على ضرورة الحفاظ على سلامة ووحدة سوريا” .
وحسب لافروف فسوف تستخدم كل الإمكانات المتوافرة لدى روسيا والولايات المتحدة من أجل إقناع الطرفين - الحكومة والمعارضة - بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، وذلك بمشاركة الدول الأخرى التي يجب عليها أن تسهم وتساعد السوريين على إيجاد الحل السياسي في إطار اتفاقية جنيف .
لقاء لافروف وكيري مع أنه انعقد في أجواء ضبابية وكانت الاحتمالات والتوقعات ترجح فشله قياساً بالأزمة السورية، غير أن النتائج كانت مفاجئة وبدت وكما لو أنها لم تكن بنت لحظة اللقاء، وأن ما حدث إما نتيجة لطبخة جرت في ظل كل هذه الأجواء العاصفة على نار هادئة، وإما أن التداعيات فرضت مواجهة حاسمة . . فما الذي حدث؟
مع أن الوقت ما زال مبكراً للوقوف على هذا “التحول” الذي أطلقته المبادرة الروسية - الأمريكية باتجاه الحل السياسي للأزمة السورية التي جاءت في أجواء محمومة وبات على إثرها مؤتمر جنيف الأول في خبر كان، إلا أن مراقبين ومتابعين ومحللين لم ينتظروا زخة ماطرة من الإجابات على التساؤلات المتعددة .
هناك من يعيد ما حدث من اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في هذا الشأن إلى مفارقة في جانبها الأول كانت روسيا في مواقفها إزاء الأزمة السورية ثابتة وبدت في لحظات كأنها تقف وحيدة، وفي طرفها الآخر كانت الولايات المتحدة تبدو كما لو أنها في صدارة الأحداث العاصفة في سوريا لكنها عملياً كانت تقف في الخلف، كما لو أنها أرادت أن تدفع الجميع في الداخل والخارج إلى معركة الإضعاف القاتلة وهي سياسة اتبعتها الإدارة الأمريكية في غير بلد عربي في لعبة دعم السلطة وتشجيع المعارضة، وإذا كان الأمر مختلفاً في سوريا فإن الدور الأمريكي ربما دار على ذلك النحو في العراق وهو إضعاف سوريا .
على هذا كانت المفارقة أن الحكومة السورية تتهم أمريكا باستهداف سوريا، وأمريكا ليست في رضى لدى المعارضة لمواقفها التي كانت توصف بالمتذبذبة وبخاصة في شأن التسليح والتدخل في شأن سوريا .
آخرون من المراقبين المحليين والخارجيين يشيرون إلى أن الأمور جرت على نحو مربك، لأن الأوضاع باتت متداعية والأحداث متسارعة وتجري على نحو كبير من الانفلات في المجالات المختلفة وبخاصة انتشار الجماعات المسلحة . وربما كان مفيداً هنا الإشارة إلى ما أوردته صحيفة “هآرتس” التي قالت إن القوتين العظميين تفهمان أن مستقبل علاقتهما مع سوريا ومكانتيهما في الشرق الأوسط تتأثر بشكل إنهاء الأزمة، ولا يمكنهما أن تسمحا لنفسيهما بأن ترسم السيطرة في سوريا ميليشيات وعصابات من شأنها أن توسع الأزمة إلى لبنان وإلى العراق أيضاً، فروسيا تفحص ترددات واشنطن التي تقف على مسافة خطوة فقط من تسليح الجيش السوري الحر، وواشنطن قلقة من تدخل روسيا العسكري إذا ما سلحت المعارضة بالفعل، وكلتاهما لا تعرفان كيف ستواصل “إسرائيل” العمل؟
الورقة منفلتة العقال وكلتاهما تضطران الآن إلى الاتفاق بينهما على الحل المرغوب فيه، على القيادة التي تدعم، وعلى الشكل الذي تدار فيه الخطوات كي تتمكن هذه القيادة من الوصول إلى الحكم في أقصر وقت ممكن .
بالطبع لا أحد يمتلك الوقت وما حدث أقرب إلى خطوة، نعم هي في الاتجاه الصحيح وهي في غضون فترة قياسية أوجدت بداية مناخ صحي، ومازال الجهد المطلوب كبيراً للخلاص من كامل الأوبئة التي هبت على هذا البلد العربي لإفساد ما بقي نقياً فيه، ولتسميم مستقبل أجياله في شرذمة سياسية وتناحرات طائفية .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية