.
.
.
.

الثورة السورية وغياب المشروع العربي

رياض نعسان أغا

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد خطر ما يحدث في سوريا مهدداً للسوريين وحدهم، فالتداعيات تتصاعد والتهديد بزلزال يهدد المنطقة دخل مرحلة التنفيذ، وصار واضحاً وجود مشاريع دولية متعددة لاحتواء القضية السورية، أو لولادة أهداف مرحلية أو استراتيجية لرسم خريطة ومستقبل المنطقة.

والواضح أن إيران كانت سباقة لوضع مشروعها الإيراني الذي أنضجته في العراق موضع التطوير والتنفيذ في سوريا، وربما أفادتها الثورة السورية في كون النظام الرسمي الذي كان يتعامل معها بندية لا تخلو من مجاملات صار مضطراً أن يطلب العون والمساعدة منها، على رغم حرص سوري قديم على أن تبقى العلاقة في إطار الصداقة الحميمة دون إعلان التحالف، لكن الوضع المشتعل جعل العلاقة المستجدة تتجاوز التحالف إلى حد الحلول، والمفارقة أن يقبل النظام بأن يدخل "حزب الله" الحرب علناً ضد الشعب السوري، فيحقق الانتصارات ويرفع رايات الحسين فوق المآذن! فالنظام الذي قدم نفسه بعثياً وقومياً وعلمانياً يرفض الطائفية ويحاربها في خطابه الرسمي، يخرج حزبه التاريخي (حزب البعث العربي الاشتراكي) من حلبة الصراع بل يخرجه من التاريخ كله، ويحل محله "حزب الله" ذي العقيدة الدينية المتشددة التي تعلن أن هدفها النهائي هو الثأر للحسين من أهل الشام (على رغم براءتهم من دمه الشريف)، وليس سراً أن هذا الحزب تابع وظيفياً وعقائدياً لولاية فقيه إيران.

ولن أكتم القارئ أنني شعرت بأسى فاجع لكوننا نحن السوريين خسرنا قوة، هي قوة "حزب الله"، وكنا نظنها العون والمدد في أي صراع محتمل أو متوقع مع إسرائيل، تماماً كما كنا نظن أن قوة إيران هي قوة للمسلمين جميعاً، وكنا نسعى دائماً لتقريب إيران من الأمة العربية، ونواجه الإيرانيين بأن احتلالهم للجزر الإماراتية، وتطلعاتهم الإقليمية تقلق العرب جميعاً. وفي عدد من اللقاءات الرسمية مع قادة إيرانيين كنا نحرص على عروبة الخليج، حتى إننا في لقاء رسمي (ربما أتحدث عن تفاصيله المهمة لاحقاً) قال المسؤول الإيراني الكبير إننا نعتب على سوريا أنها تسمي الخليج بالعربي في مدارسها، ونرجو أن يصحح إلى اسمه الحقيقي "الخليج الفارسي"، فقال له المسؤول السوري الكبير بلهجة حاسمة "بل هو الخليج العربي وسيبقى عربياً"، وكتم الضيف الإيراني ضيقه من النبرة الحادة، ولم يعد إلى طرحه.

ولم يكن يغيب عن السوريين خطر المشروع الإيراني في العراق، وطالما ذكّرنا المسؤولين العرب في لقاءات متعددة بأن غياب مشروع عروبي عن العراق يجعله فريسة للمشروع الإيراني، والمفارقة الفاجعة أن نجد سوريا اليوم تكاد تقع فريسة للمشروع الإيراني بسب غياب أي مشروع عربي واضح، أو رؤية متكاملة.

سيكون مفجعاً أن يمعن العرب في تكرار أخطائهم الكبرى، وألا يتنبهوا إلى خطر ما يحدث حتى يفوت الأوان.

أليس عجيباً أن يكون لدى روسيا مشروع واضح للتعامل مع القضية السورية وألا يكون للعرب مشروع، والأخطر ألا يكون لهم حضور قوي أمام المشروعين الروسي والإيراني؟

ولا يغيب عن أحد أن أخطر المشاريع في المنطقة هو المشروع الإسرائيلي، وهو الصامت إعلامياً إلى حد ما، ولكنه الفاعل الأخطر سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، وهو الذي يعطل كل ما يتعارض مع رؤيته، بل هو الذي يجعل الرؤية الأوروبية والأميركية ضبابية حيناً ومضطربة حيناً آخر ثم متوافقة مع المشروع الروسي والإيراني حيناً آخر.

ولقد كان من سوء حظ السوريين أن يجهل نصر الله، مثل جهل الجاهلين دون أن يجهل عليه أحد، ولو أنه تدخل من موقع الوسيط، وسعى لإطلاق سراح المعتقلين، ولإيقاف الحل العسكري وإعلان رؤية سياسية جادة لحل مقبول قبل أن يضطر الشعب لعسكرة انتفاضته، وقبل أن يبدأ نزيف الانشقاقات العسكرية من الضباط والجنود الذين لم تقبل ضمائرهم أن يقوموا بقتل أهلهم وتدمير مدنهم وقراهم، لكان نصر الله بقي ضمن قوى المقاومة، ولحفظ له السوريون ذلك، ولكنني وملايين السوريين فجعنا حين وجدنا سيف المقاومة الذي هتفنا له يحز رقاب السوريين لمجرد أنهم طلبوا حرية من أجهزة الأمن. ولا يخفى على "نصر الله" تطور مسار الأحداث في سوريا، وكيف أن العنف الشديد استجلب عنفاً مضاداً، وحين كان المتظاهرون يرددون "الشعب يريد إصلاح النظام" كان بوسع "حزب الله" وإيران أن يقدما النصح، أما أن تدخل إيران و"حزب الله" حرباً ضد الشعب السوري ويبررا هذا التدخل بأنه حماية للمقاومة فهذه جريمة لا تغتفر، وإهانة للشعب السوري الذي لا يزاود عليه أحد في مواقفه المقاومة. ولو أن النظام في سوريا كان يسمح للشعب بأن يشكل تنظيمات لاستعادة الجولان لولدت مقاومة سورية بعد الخامس من حزيران فوراً، ولتمكن السوريون من استعادة أرضهم قبل عقود. ولئن كان "حزب الله" قد استفاد من هشاشة النظام السياسي اللبناني فتمكن من تشكيل حزب ومقاومة، فإن قوة النظام السياسي في سوريا حرمت الشعب السوري من تشكيل حزب لوجه الله في جولانهم قبل أن يفعل اللبنانيون في جنوبهم.

إن أهم ما ينبغي أن يقوم به العرب اليوم هو تكثيف العمل الدبلوماسي مع روسيا التي صار مفتاح الحل السياسي للقضية السورية بيدها، وأقترح تشكيل وفد عربي رفيع المستوى يناقش القادة الروس، ويعلن موقفاً حاداً يصل إلى حد التهديد بقطع العلاقات، إذا أصر الروس على استمرار دعم الحل العسكري حتى تنتهي عملية إبادة السنة بوصفهم منبع التطرف كما وصفهم بوتين بعد أن صرح لافروف بأنه لن يسمح للسنة أن يصلوا إلى الحكم في سوريا. إننا نرجو من القادة العرب أن يسارعوا إلى إيجاد حل سياسي سريع قبل أن تضيع سوريا ويجد العرب أمامهم إمبراطورية فارسية تدعمها روسيا، تكبر وتستولي على بلاد الشام بعد أن استولت على بلاد الرافدين، ونرجو أن يتصدى القادة العرب لخطر انفلات الوضع إلى حرب طائفية بين السنة والشيعة قد يمتد لهيبها إلى العالم الإسلامي كله. وندرك أن من سوء حظ السوريين كون مصر التي تشكل أهم قوة عربية تبدو شبه غائبة عن موقع ريادي، على رغم أنها اليوم مصرُ ثورةِ يناير وليست مصرَ مبارك، وأجزم لو أنه كان لا يزال على سدة الحكم لما قبل من إيران أن تمتد إلى هذا الحد.

* نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.