.
.
.
.

من فكر الأقليات

ميس الكريدي

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد ملعب استدرار المشاعر في الثورة يلهمني بقدر ما يؤلمني في ظل ضياع مؤشر البوصلة والانتقال الممنهج لحالة الندب الثوري، والتباكي على أخطاء لا توجد إمكانية لمعالجتها، بل لا بد من إنتاج حالة انطلاقاً من واقعها، لأنه أصلاً لا يمكن الحيلولة دون وقوعها فتصبح المعلكة الأكثر رواجاً هو الخطاب النقدي للثورة بعيداً عن الاعتراف بأنها أصلاً محصلة طبيعية للحالة السورية التي عكست بشكل واضح نتيجة الفراغ السياسي والاجتماعي والخواء الفكري لبلد حكم بحكم المادة الثامنة من الدستور التي تقضي بأن حزب البعث قائد للدولة والمجتمع، ولينسى المهاجمون أن البعث اغتيل مع كل الحركة السياسية في البلاد تحت بسطار عائلة حكمت على أنها شلة وليس نظام حكم، وبالتالي لا توجد دولة ولا مجتمع.

مجال التحليل السياسي مبهم في تبدلات الواقع المرتهن لتسارع التحولات والصراعات الدولية، لأن المصير السوري في غياهب المجهول في خضم تجاذبات تحير أعتى المحللين، فكيف يمكن أن تتموضع الأفكار لتنتج حالة سياسية سيادية داخل المعارضة بينما ترصد كل أجهزة الاستخبارات المعروفة والمجهولة تداعيات المشهد وتتلاعب به وفق مصالحها وحساباتها وفعاليتها الدولية التي قد نخطئ في تقدير مكامنها الحقيقية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الانفصال شبه التام بين الحالة الشعبية وحركة هؤلاء بفعل تاريخ طويل من مسخ العمل الوطني والسياسي والمجتمعي والحجر على كل محاولات الربط والتشبيك على قاعدة المواطنة الذي قاده النظام في دمشق.

لقد آمنت بالأمانة التي لا مكان لها في ملعب السياسة، فقررت أن أتصرف كمواطن سوري لم يعرف من مواطنته سوى اسمها. أمام تهتك العقد الاجتماعي في سوريا، ونهوض كل الانتماءات ما دون الوطنية في معركة أرادها النظام طائفية ليغسل نفسه من الصراع الحقيقي بين الشعب والمستبد القاتل، وتزحف المعارضة السياسية بكل ما أوتيت من دعم لتنزل معه لملعبه مرغمة بفعل عجزها على المستويات الأهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، فيحولها لخرقة بلا احترام دولي أو شعبي.

وتصبح معظم الصراعات الطافية على السطح بين رموزها هو اجترار وهم الوهم، ويبقى بشار الأسد اللاعب السياسي الوحيد في مواجهة شعب لا حول له ولا قوة، يصيح بصوت الله أكبر عندما ارتمى على موته فلم يجد إلا الكفن المعمد بتهم المثقفين التي لا تنتهي له مرة بالغوغائية ومرة بالطائفية ومرة بالعنف، وأصل الفكرة عجز المثقفين أنفسهم عن الارتباط بالحالة الفكرية للمجتمع للأسباب ذاتها.

في لحظات كثيرة نصبح في المضمار من العجز وقلة الحيلة، فندخل بوصفنا (أبناء الأقليات) بين قوسين ملعب الأقلية..الأقلية في كل شيء، لنجد معنا ثلاثة أرباع الشعب السوري.

الأقلية في الشعور الوطني نتيجة ارتفاع وتيرة لغة التخوين والهجوم، وهذه آليات مشابهة لآليات الأنظمة التي اصطنعتها وجعلت منها ثقافة سائدة لتحديد مواقع البشر حسب الحاجة وإمكانية دفن أي صوت مناهض لفروض الولاء والطاعة.

أقلية في الاعتدال (أغلب الشعب السوري)، أقلية في الانتماء الطائفي الذي لم يعنيني يوماً، ومثلي كثيرون فيتحول متراساً يحدد حتى المواقع لدى المعارضة التي تعلمت الارتزاق بسبب واقعها الطفيلي الذي خلقه النظام طوال خمسين عاماً، ولم تتمكن من الخروج من عنق الزجاجة التي حشرها فيها بتغوله عليها في كل شيء، نافسها في الملعب القومي واليساري والليبرالي والممانعجي، وحتى الديني، بدلالة رجال الدين الذين سخرهم خدماً لمنابر السلطان، وهذه ثقافتهم التاريخية فكان ماكان.

ذات يوم ونحن في حضرة المجتمع المدني الذي نحاول التسلل إليه ويغلق بوجهنا أبوابه ونوافذه بإنتاجه المنظمات والجمعيات التي تفرخها الآلة الأمنية، كتبت مقالاً مفاده أنه لا معنى لنضالات المرأة في مجال قضيتها طالما لا يوجد مجتمع مدني أصلاً وطالما تهيمن السلطات الأمنية على المنظمات والاتحادات والنقابات والقضاء، وكان استدعائي الأول لفرع الأمن ظناً مني أن المقال هو السبب.

طال الانتظار في أمن الدولة لأكتشف أن الضابط لم يسمع عني ولا عن مقالي فقط إخبارية لا أعرف تحت أي عنوان.

إن المطلوب أن تجند الأقلام في مواجهة بعضها والكل جواسيس على الكل، والنتيجة لكل من لا يقبل دخول هكذا دوامة.. توقف أو سكون كلي أو جزئي.

مارست عملي في الكتابة عن الأطفال والعنف ضد المرأة في مواقع رقابة الدولة عليها محض صدفة، أو بمعنى أدق أن يقرأ بالصدفة مخبر ما كلمة ويبلغ عنها.

اللعبة التي يحكمها الأمن بتفنن واتقان ويتقن قواعدها ويعلم خصومه اللعب ضمن أحكامه بالخبرة، فالعقوبات تأديبية جداً جداً للجيل كاملاً، بحيث تنفق القوى المدنية في صراعات وهمية تفني بعضها بعضاً فيكون المثقف مداناً من المجتمع ومن الذين حوله، ويكون السياسي وسط قبيلة من المخبرين، والكل تحت الخطوط الحمراء التي يحفظونها بالخبرة.

ألد أعداء القوى الأمنية في هكذا نظم هو الحوار، أي شكل من أشكال الحوار المجتمعي على طريقة ممنوع التجمعات لأكثر من شخص واحد، لذلك من أكثر الأمور خطورة أن يكون بين طالب وأستاذ حوار خارج مناهج البعث القاتلة للمنتج الإنساني، فالصف فيه عدد من المجندين للتبليغ عن الخروج عن الخط، والتوجيه فيه مخبرين، والإدارة مضطرة لالتزام البعث (بعث الأسد وأفرعه الأمنية)، منهجاً وتربية حتى لو لم ترد ذلك، لأن هناك من يتمنى أن يلعبها بنظافة لكن هيهات أن يستطيع.

فحيث لا مصونية للقانون والدستور لا مواطنة، وبالتالي لا وطن، وما لوطن إلا مزرعة السلطة، وما لسلطة إلا عصابة من قطاع الطرق لا تعرف إلا النهب.

بالمشهد الآخر أحزاب معارضة لا تتعدى كونها مزهريات في صالون النظام تزين وجوده وتمنحه شرعية سياسية مزيفة تحقق بؤس الواقع في تاريخ سوريا الأسد.

انشغل بعض المنظرين بالتفلسف على فكرة الخروج من المساجد، وليس فيهم من هو أشد علمانية من الذين قرروا أن يفعلوها حباً بالحرية، ببساطة لأن العلمانية فكر لم ينضج والانتماءات ما دون الوطنية كانت قريبة جداً للسطح، بحيث مع أول محك بسيط تطفو بجلال واضح لا التباس فيه حتى في الأوساط التي تتعاطى الحالة الفكرية، وتنقسم البنى السياسية ضمنياً على أساس المرجعيات الإثنية والطائفية من تحت الطاولة.

فيكون المشهد واضحاً للجميع لكن الكل متواطئ على إخفائه بذات العقلية التي يتصرف بها النظام وثقافة الهياكل الجوفاء موجودة في بنى حزب البعث كما في بنى أحزاب المعارضة، ومن هنا يصبح المسجد هو المنبر الذي لم يمنع التجمع فيه، والذي يحظى بثقة شعبية، لأن هويته تعبر عن جوهره دون تزييف من جهة، ومن جهة ثانية يمكن أن نتذكر السجن في مسرحية الماغوط غربة مكان التجمع الوحيد أيضاً.

فكرة بسيطة أن تكسر الاستبداد من معقل صنعه لعبوديتك.

هذه الأفكار الخلاقة هي فلسفة الثورة السورية التي تصنع قيمها الخاصة وتبدلها وفقاً لمعطيات الواقع.

قد أشترك أحياناً مع الرداحين في وجه الشعب السوري، لكني لم ولن أتملص يوماً من أولئك الذين حولوا الدم شعاراً للخلاص وارتدوا الصبر والإيمان حيث لا بوابات أخرى لهم والمدنية مشوار بين نقابة المحامين والمخابرات الجوية والمحاكم التي كانت مهمتها تشريع الرشوة والمحسوبية، ومن هنا فلا غرابة أن تبني الثورة ثقافتها على هدمهم جميعاً.

الوطن الذي لا كرامة لي به لا أدافع عنه.. هكذا قال زوربا الإغريقي، ومن هنا سنحاسب الأنظمة التي تسرق منك الانتماء.
اليوم بعد كل الموت والقتل يصبح جبناً ألا نواجه التاريخ، كل ما فينا هو أصلاً فينا، القبلية، الطائفية، الهمجية، العنف، الحرية، الاستبداد، الموروث الجمعي، الأسطورة، القطيع، الحزن، الألم، الإنسان، فقط سيكون المخاض عسيراً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.