شاهد على مجزرة رنكوس: حملت أشلاء متفحمة ودفت بقايا بشر

أحرقوهم أحياء وأمواتاً.. فجروا المسجد وأحرقوا المقبرة أثناء الدفن

نشر في: آخر تحديث:

تبدو مساجد سوريا كأنها العدو الأول للنظام السوري، وآخر ما حرر عن نظام الأسد تفجير بقرب مسجد خالد بن الوليد في بلدة رنكوس في منطقة التل، لتكون حصيلة القتلى 60 شخصاً على الأقل.

وفي التفاصيل، فإن السيارة المفخخة انفجرت عند الساعة الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي، أي في موعد خروج المصلين من أداء صلاة الجمعة في مسجد خالد بن الوليد، ليكون موعد أولئك المصلين مع الموت أسرع حتى من لمح البصر.

وبسبب تفحم الجثث واحتراقها بالكامل، كانت المهمة الأصعب هي إحصاء عدد القتلى أو حتى معرفة أسمائهم لإبلاغ أهلهم، ولم ينته الموت من مهمته في رنكوس بالتفجير، إذ إن النظام استهدف تشييع القتلى ليصبح المشيع بحاجة لتشييع جديد.

يقول أسعد، أحد الشهود والمسعفين وعضو في تنسيقية رنكوس: "من هول ما حدث كان من الصعب علينا أن نحصي تفاصيل الرعب". ويضيف أسعد للعربية نت: "كنت وصديقي حمزة هناك، وبعد أن أسعفنا ما أمكننا إسعافه، وذهبنا للمنزل لنقوم بنشر الخبر في ذات الوقت الذي كان يتم فيه دفن معتز قاسم، وبعد دفنه بدقائق حصل اهتزاز ضخم وثانٍ وثالث. هرعنا إلى الخارج لنرى ما الخطب، وإذ بنا نرى المقبرة تحترق. نعم تم حرقهم أحياء وأمواتاً".

شهادة من "حمزة رنكوس"

قال حمزة: "لا أستطيع التعبير. فقط رأيت المصيبة بحد ذاتها".

رأينا بالبداية قبل الوصول دخاناً أسود كثيفاً. دعوت ربي اللطف بمن هناك. اقتربنا وزاد هول الموقف وبصحبتي صديقي أسعد.

وصلنا.. خلنا معمعة الدخان، حينها وقفت صامتاً أضع يديّ على رأسي، لأنني ذهلت حقاً مما رأيت. رائحة الموت في كل زاوية. نيران تلتهم البشر. رائحة لحوم بشرية تحترق. حطام سيارات متكدسة. أشخاص يبحثون عن ذويهم. آهات. بكاء. استغاثة والأصعب أشلاء. أقدام بشرية. لم أتخيل يوماً أنني سأرى قدماً أو يداً أو كبداً أو حتى رأساً منفصلاً عن جسد وهو يحترق. ولكنني رأيت كل ما سبق. صحوت من ذهولي وقمت بالتصوير قليلاً لأنني خلت أن الإصابات قليلة. ولكن خاب ظني. فما أن توغلت قليلاً حتى رأيت الشهيد تلو الشهيد يحملون بما تيسر من أقمشة وسجاد وحصر ونقالات، أغلقت عدستي وساعدت بالإسعاف وقلبي يدمع على ما أراه بين يدي. باختصار وبساطة أحمل صديقاً تحول إلى قطع متفحمة. شعرت بالغثيان، لأن العقل البشري لا يتحمل هذا الهول. توقفت قليلاً إلى جدار المسجد حتى استعدت توازني ومضيت إلى مشاهد أقسى وأصعب من التفحم، فعند باب المسجد جثة شاب على دراجة نارية ما تبقى من الشاب عبارة عن نصف جسد ملتهب ملتصق بمعدن الدراجة، طلبت ماء، وقلت أفيضوا عليه الماء علنا نتعرف إليه، فاستجاب لي شخص يحمل وعاء ماء وأطفأه. المكان كان يعج بمئات المسعفين.

استدرت باتجاه بوابة المسجد، كانت الجرافة تزيل الأنقاض، فرفع جداراً بواسطة مقدمة الجراف وإذ بطفلين مدهوسين تحت سقف مدخل المسجد المهدم، واستمر المشهد ساعتين، توجهنا بعدها إلى المشفى لنحصي الشهداء، بدأ أسعد الذي كان مذهولاً أكثر مني بعدّ الجثث في أول مشفى، فبلغ 27 شهيداً على شكل قطع فحمية، ووردنا أنه في مشفى آخر عدد آخر من الشهداء، ومن مصدر لآخر توصلنا إلى 43 شهيداً منهم من رنكوس وهم الغالبية العظمى، منهم من حفير، من عكوبر، من حمص".