.
.
.
.

الصمت الإسرائيلي من علامات "الرضا"!

نشر في: آخر تحديث:

كما في المرات السابقة التي أعلن فيها عن تنفيذ مقاتلات إسرائيلية غاراتٍ في العمق السوري، قابلت إسرائيل الرسمية هذه المرة أيضاً إقرار النظام السوري بشن غارات جديدة بصمت صارخ ورفض التعقيب تأكيدا أو نفيا، ولم يكن ذلك مفاجئا،فإسرائيل تنتهج سياسة ثابتة تقوم على ما يسمى "حيّز الإنكار"، فتترك للطرف المستهدف فرصة "الإنكار"، وهو ما يحدث غالبا، وفي حال أقر بالعدوان فإن عدم الاعتراف الإسرائيلي يجنب تل أبيب المساءلة دوليا ولا يستفز سوريا ويضطرها للرد، ومن الواضح أن إسرائيل تأخذ في الحسبان "المجازفة" المقترنة عادة بشن مثل هذه الغارات، وتقوم فرضية العمل على أن النظام السوري ومثله حزب الله لن يقوم بالرد، وهو ما تبين أنه صحيح في المرات السابقة.

ويضيف محللون استراتيجيون إسرائيليون سببا مستجدا لعدم رغبة دمشق في الرد، وهو الحرب الدولية على "داعش"، والتحول الاستراتيجي، كما يبدو، لدى واشنطن من إسقاط النظام إلى النيل من أهم أعدائه، ما يجعل إشعال جبهة مع إسرائيل خطأ فادحا، لكن إسرائيل لاحظت أنه طالما بقيت الغارات في العمق السوري فإنها ستبقى في منأى عن "الانتقام"، لكن الغارات الأخيرة التي استهدفت مواقع لحزب الله في لبنان في أكتوبر الماضي، أعقبتها سلسلة هجمات في مزارع شبعا وعلى جبهة الجولان استهدفت مواقع عسكرية وجنودا إسرائيليين، فهمت بأنها محاولة من حزب الله لفرض معادلة تقول إنه سيرد في حال تم الاعتداء على الأراضي اللبنانية فقط.

واللافت أن نتنياهو الذي قد يستفيد من تطور كهذا في خضم معركة انتخابية، بدا كأنه يلمح للغارات المقتربة على سوريا، "هناك تحديات وتطورات حولنا لا تعرف الراحة ولا تتوقف،وستبقى أعيننا مفتوحة، وسنجس النبض لما يجري، وسنواصل معالجة التهديدات بالطريقة المسؤولة التي انتهجناها حتى الساعة" قال نتنياهو أمام الحكومة قبل ساعات من تنفيذ الهجمات.

ويمكن اعتبار نشر بطارية من القبة الحديدية في خليج حيفا قبل أسبوعين من العلامات التي استبقت الغارات، علما أن هذه البطارية تنشر عادة في وقت مبكر لعدم لفت الانتباه (للطرف الآخر) مع بداية عملية التعقب تمهيدا لاغتنام فرصة مؤاتية للتنفيذ، وتكون جاهزة - وهي لاتزال منصوبة في خليج حيفا-بعيد الغارات لتوفير رد لأي هجوم صاروخي على إسرائيل من قبل النظام أو حزب الله، مع رفع غير معلن للتأهب على امتداد الجبهة الشمالية مع لبنان في الجولان.

غارات وانتخابات

ليست هذه المرة الأولى التي تنفذ فيها إسرائيل عمليات عسكرية أو أمنية كبرى في خضم معركة انتخابية وفترة انتقالية، لكن خلافا للمرات السابقة، خرج بعض خصوم نتنياهو السياسيين علنا هذه المرة للحديث عن وجود علاقة ما بين الأمرين، "نتنياهو عجز عن تشكيل حكومة وائتلاف بديلين، فقرر اللجوء إلى الترهيب والتخويف وإشعال الشرق الأوسط"، قالت النائب يفعات كريف، من حزب "يش عتيد"، وهي عضو في لجنة الخارجية والأمن.

وقال النائب العمالي نحمان شاي "أريد أن أؤمن بأن هناك فصلا تاما في إسرائيل بين الملفات الأمنية والسياسية"، وللتذكير فإن العدوان على غزة الذي اشتهر بـ"الرصاص المسكوب"، شنّ في خضم معركة انتخابية أيضاً، لكن أحدا في إسرائيل لم ينتقد ولم يربط بين الملفين، لكن المرة الأشهر تاريخيا كانت تدمير المفاعل النووي العراقي قبل عقود، والتي تمت أيضاً في مرحلة انتقالية عشية انتخابات، وخالف حينها مناحيم بيجن، قراره هو، وسارع إلى تبني الهجوم في مؤتمر صحافي شكل إحدى المرات النادرة وفاز على حزب العمل في الانتخابات بعيد ذلك بفارق مقعد واحد، ويرى محللون إسرائيليون اتجاها آخر للموضوع، وهو محاولة استغلال الفريق الآخر (إيران وسوريا وحزب الله)، لانشغال إسرائيل في الانتخابات كفرصة معقولة لتمرير شحنات أسلحة نوعية لحزب الله واختبار ردة فعل إسرائيل.

امتداد لسياسة "الخطوط الحمراء" المعلنة

قرار شن غارات على العمق السوري يتخذ على أعلى مستوى، بعد أن يطرح المستوى العسكري خطة تفصيلية للتنفيذ تتضمن النتائج العملياتية والتبعات، ويحسم من قبل وزير الدفاع ورئيس الوزراء عادة، وكانت إسرائيل حددت ثلاث نقاط تستوجب شن غارات في العمق السوري:

1- محاولة نقل أسلحة نوعية لحزب الله تخلُّ بالتوازن

2- السلاح الكيمياوي السوري

3- المساس بالسيادة الإسرائيلية

ويبدو أن الغارات الأخيرة تعالج البند الأول، حيث لاحظ مراقبون أن الغارات توزعت بين موقعين متباعدين، منطقة مطار دمشق الدولي شرق دمشق، حيث يمكن أن تكون وصلت وخزنت شحنة صواريخ أو أسلحة نوعية أخرى من إيران ومنطقة ديماس القريبة من الحدود مع لبنان، تمهيدا لنقل شحنات الأسلحة من هناك إلى البقاع اللبناني، بحسب مراقبين إسرائيليين، ومن خلال الغارات السابقة يمكن تحديد الأسلحة التالية كأهداف لإسرائيل (صواريخ الفاتح ١١٠ وسكاد (د) وصواريخ " ياخونت (بر بحر التي تهدد حقول الغاز الإسرائيلية في المتوسط) ومنظومة صواريخ ورادارات السام ٣٠٠ و٢٧ (أ) وسام (٧)، علما أن منظومات السام الروسية الحديثة تعرّض التفوق الجوي المطلق لإسرائيل للخطر، فصواريخها تعمل بمنظومة رادار يمكنها متابعة عدة أهداف جوية في وقت واحد، ويمكن أن ترصد وتستهدف أي مقاتلة إسرائيلية حتى وهي تتحرك على المدرج في القواعد الجوية الإسرائيلية شمال إسرائيل، إضافة طبعا إلى الطائرات بدون طيار الإيرانية التي بات حزب الله يملك بعضها ويستخدمه.

تسلسل الغارات الإسرائيلية

الغارات الأخيرة قطعت توقفا دام عشرة أشهر لم يعلن خلالها عن اعتداءات إسرائيلية، وفي انتظار أن يسرّب الإسرائيليون تفاصيل في الأيام المقبلة للصحافة الأجنبية كما درجت العادة لمحاذير الرقابة العسكرية، يمكن التعرف إلى ما يدفع إسرائيل لتكرار الهجمات من خلال ما سلف منها:

1- في 31 من يناير الماضي، أولى الغارات، استهدفت محيط معهد أبحاث في جمراية، لشحنات SA-17

2- في 3 مايو الماضي، استهداف محيط مطار دمشق شحنات صواريخ أرض- أرض( فاتح ١١٠( مدى ٣٠٠كيلومتر) وسكاد

3- في 5 مايو الماضي أيضاً، قصف قاعدة لسلاح الجو السوري في محيط دمشق

4- في 5 يوليو الماضي، قصف شحنة صواريخ "ياخونت" بر بحر في ميناء اللاذقية.

5- في 30 أكتوبر الماضي تدمير مخزن لصواريخ Sa-8، المضادة للطائرات قرب دمشق كانت معدة لحزب الله

6- في 24 فبراير الماضي استهداف مواقع لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية لتدمير شحنة صواريخ