في ذكرى وفاته: هل مات حافظ الأسد؟!

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يصادف اليوم مرور 15 عاماً على وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. والذي أصبح يُعرف بالأسد الأب، بعدما تولى ابنه بشار زمام السلطة في سوريا، والذي بدوره، أصبح يعرف بالأسد الابن. مع أن النظام السياسي، في البلاد، ليس ملكياً، بل هو نظام جمهوري، إلا أن الابن وصل إلى السلطة، وورثها، عبر تركيبة محكمة كان قد أعد لها الأب، بعد وفاة ابنه الأكبر، باسل، في حادث سير.

عجّل الأب من سرعة التدابير المفضية إلى توريث ابنه الطبيب مقاليد الحكم. وفرضه على الجيش عبر ترقيات صاروخية، ثم فرضه على البلاد عبر "تركيبة الرعب" التي كانت قد تأسست، بنجاح مفرط، على يديه.

حافظ علي سليمان أحمد إبراهيم، هو الاسم الكامل للأسد الأب. الذي ولد عام 1930 وتدّعي بعض أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي، أن جد الأسد الأكبر، إبراهيم، زعيم من أصول يمنية، أمّا لقب "الأسد" الذي حمله الأب والابن، فتقول نفس المصادر التي عمل البعثيون كثيرا على تأصيلها بشتى السبل حتى لو بالتزوير، فإنه مكتسب عن سليمان، والد حافظ وجدّ بشار، حيث وصِف بالقوة البدنية والبطش. إلا أن مصادر أخرى، ولها شأنها، وعلى درجة كبيرة من المصداقية، تؤكد أن "الأسد" اللقب، في الأصل، هو اسم آخر، مختلف كليا عن الاسم الحالي..

عمليا، تسلّم الأسد السلطة عام 1970، عندما كان وقتها رئيسا للوزراء. إلا أن الاستفتاء الذي جرى على شخصه، ليتسلم رئاسة البلاد، كان عام 1971 ، وهو التاريخ الرسمي لمنصب رئيس الجمهورية العربية السورية، الذي حمله الأسد الأب من عام1971 الى 10 يونيو من عام 2000 تاريخ وفاته.

ويتفق أغلب المحللين والمؤرخين على أن تاريخ حكم الأسد الأب، والذي تم عبر انقلاب، في الواقع، أدخل سوريا الجمهورية في فترة رعب وخوف لم تشهدها في تاريخها كله، حتى تاريخها الاحتلالي. وتشير كل المصادر السياسية المعنية بالشأن السوري، أن فترة حكم الأسد الأب، شكّلت "هيمنة ذهنية" وروحية كاملة على كل طبقات المجتمع السوري. حيث تحولت شخصية "الجنرال" الى نموذج تم منحه صفات خارجة عن صفات المواطنين العاديين. ومن أجل منح شرعية للنموذج السالف، تم ربطه بقضايا "كبرى" كفلسطين وجنوب لبنان و"تحرير الشعوب" و"الوحدة العربية" و"الاشتراكية".

فمن شأن هذا الربط أن يسبغ شرعية على ما لا شرعية له، في الواقع. ومن هنا، يتساءل محللون، عن حقيقة تكوين "الجنرال الاشتراكي" الذي تفوق على خصومه الأيديولوجيين "بقدرة فذة على إعادة إنتاجهم" كم قال الراحل ادواردو غاليانو في سخريته من التحولات "غير البشرية لعذاب أميركا اللاتينية".

لقد كانت الـ"ريد ليبل" صديقة أغلب جنرالات سوريا، في القطعات العسكرية، حتى إن بعض الظرفاء كان يتندر ويقول: أين هي الويسكي السوفييتية؟ لماذا لا تشربون ويسكي اشتراكياً؟ فيرد البعض: الروس يحبّون الفودكا. فيقول لهم: يا أخي، اشربوا فودكا فقط للمصداقية!

عندما توفي حافظ الأسد، في 6 يونيو من عام 2000 كان قد سلّم سوريا لابنه وهي خاضعة، بالكامل، للجنرال الاشتراكي الطريف الذي "يتسلح من روسيا، ويَسْكَر من الولايات المتحدة الأميركية، ويتغذى من الجبن الهولندي، ويلبس الأقطان الفرنسية والبريطانية" كما قال معارض للأسد الأب مات تحت التعذيب، أول تسعينيات القرن الماضي، وهذا الاقتباس من شهادة لشقيق المعارض اليساري (نمتنع عن ذكر اسمه) خصوصا أن الرجل نفسه كان معتقلاً مع شقيقه في محبسه عندما توقف قلبه مما يسمى في لغة الطب "الصدمة العصبية" التي تنتج من التعرض لألم حاد.

كان لصورة الأسد الأب، التي تعلو مكتب ابنه، أو مكتب رئاسة الوزراء، أو كل وزارات الجمهورية العربية السورية، بلا استثناء، أن "تُلهم" السوريين الآخرين أن في الأمر امتدادا ما، وأن شرعية الثاني مرتبطة بالأول، ليس فقط بالنسب العائلي، بل بالأيديولوجيا. ويلمّح البعض من معارضي الأسَدَين، إلى أن وجود صورة الأسد الأب إلى جوار الابن، رسالة ردع. فالابن مستجدٌّ، بلا خلفية، ويستمد "التخويف" من المرجع الذي تعلو صورته كل المكاتب الرسمية في الجمهورية، على ما يعبر إعلامي معارض ويضيف: "صورة حافظ الأسد نصيحة أمنية لمنح بشار مزيدا من الحجم". وهذا نجح، ولو جزئياً.

ولعل تعبير الفنانة السورية المعارضة مي سكاف، يختصر فهم تطورات الواقع السياسي السوري، بقولها: "لا أريد لابني أن يحكمه حافظ بشار الأسد" أي الحفيد. فتعليق صورة الأسد الأب الى جوار ابنه، أعطت الانطباع بتوقف "الزمن الجمهوري" وبداية العد غير التنازلي للأسرة. ولهذا يمكن تفسير السبب الذي جعل السوريين في عام 2011 يثورون على تماثيل الأسد الأب، قبل الابن. فحطّموا تماثيل حافظ الأسد، أولا وفوريا. لأن الابن، رمزيٌ، واسطة دلالية لدالّ أشد أثراً: الصورة المعلّقة على الجدار هي الأصل.

كانت مشكلة السوريين في عام 2011 هي مع الأب، في الواقع، لا مع الابن. كانت الثورة على "النموذج" لا على النسخة الخارجة منه. يؤكد كل العارفين بالشأن السوري أن أدبيات معارضة بشار الأسد، مستمدة من أدبيات معارضة حافظ الأسد، في الأصل. ولهذا فإن خبر وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، وتولي ابنه مقاليد الحكم، ثم الثورة عليه، هي حركة مباشرة من الأب الى معارضيه، مباشرة، ودون وسيط.

هذا ما يؤكده معارضو النظام في سوريا، الذين استمدوا قوة التعارض مما أسّسه الأسد الأب، من "جمهورية خوف ودولة رعب" لا يزال الكثير من السوريين يعانون من آثارها، حتى بعد مرور 15 عاما على موته. أمّا بشّار، يؤكد معارضون، فهو "تفصيل" صغير في صورة أعمّ هي باختصار: حافظ الأسد 1930 – 2000.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.