.
.
.
.

مرفأ طرابلس.. محطة لعبور السوريين لتركيا ومن ثم أوروبا

نشر في: آخر تحديث:

منذ الصباح ننتظر وصول السوريين الذين يغادرون مرفأ طرابلس اللبناني للسفر إلى مرسين، المدينة الساحلية التركية والتي أصبحت بوابة عبورهم إلى البلدان الأوروبية كالنروج وألمانيا والسويد وغيرها.

لكن فؤاد ابن التسع سنوات هو أكثر من لفت نظرنا وسط مئات السوريين الذين كنت نتحدث إليهم ونستفسر عن ظروف سفرهم والأسباب التي دفعتهم للمخاطرة بحياتهم.

ففؤاد الذي كان مع والدته وأخته أميرة، كان متمسكاً بقفص فيه ببغاء أصفر كلون أشعة الشمس التي تحرق حرارتها رؤوس المسافرين في قاعة المغادرين في المرفأ.

اقتربنا من فؤاد وسألناه عن الببغاء، فقال إن اسمه "كوكو" وإنه لا يريد أن يتركه وحيداً في لبنان، فهو يخاف من أن يأتي أحدهم ويقتله أو يعذبه، لذا قرر أن يأخذه معه إلى مرسين.

وعلى الرصيف الذي تجمّعت عليه حقائب المسافرين، رسى قفص "كوكو" بانتظار باخرة الأحلام التي ستنقل هذه العائلة السورية إلى مرسين حيث الوالد بانتظارهم.

أما الوالدة، سناء وهي شابة في العشرينيات من عمرها، تحدثت عن ما اسمته "الذل" الذي عانت منه منذ مجيئها إلى لبنان حيث سكنت في مدينة صيدا جنوب البلاد، واعتبرت أن السفر بات ضرورة في هذه الظروف الصعبة.

وأملت سناء أن تتمكن من الوصول إلى ألمانيا أو النرويج، لكنها أكدت أنها لن تخاطر في السفر عبر مراكب غير آمنة إن لم تتأكد مسبقاً من أن كل شيء على ما يرام، مضيفةً: "فؤاد وأميرة أغلى ما لدينا، لن نخاطر بحياتهما". ولفتت إلى أنه إن لم يتمكنوا من السفر إلى أوروبا فإنهم سيبقون في مرسين حيث تعيش شقيقاتها الخمس.

سجّل مرفئ طرابلس العام الماضي حركة سفر لـ54 ألف راكب، أما هذه السنة فقد تم تخطي هذا العدد إذ شهد شهر أغسطس وحده سفر 28 ألف راكب. ويقول مدير مرفأ طرابلس، الدكتور أحمد تامر، إن حركة السفر إلى تركيا ازدادت بعد إقفال معبر كسب الحدودي بين سوريا وتركيا، إذ كان اللبنانيون يشكلون غالبية المسافرين إلى الأراضي التركية قبل بدء الأزمة في سوريا.

ولفت مدير المرفأ إلى أن قاعة المسافرين في مرفأ طرابلس مصممة لاستيعاب 300 مسافر يومياً، لكنها في الآونة الأخيرة استقبلت 1500 مسافر يومياً، لاسيما حين كانت الرحلات في ذروتها أي خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين.

وأضاف تامر أن عدد الرحلات اليومية يُقرر وفق عدد المسافرين، لافتاً إلى أن هناك ثلاث شركات سفر، لبنانيتين وتركية، تنظم رحلات يومية إلى مرسين، ولها ممثلون في وكالات سفر في الأراضي السورية، يتم من خلالها حجز التذاكر التي يصل سعرها إلى 225 دولاراً أميركياً وتشمل النقل البري من داخل سوريا. أما من يريد حجز تذكرته من لبنان، فإن التكلفة تصبح 150 دولاراً أميركياً.

وتستغرق الرحلة 14 ساعة كحدّ أدنى ويومين كحدّ أقصى، بحسب الباخرة وسرعة الرياح وحركة الأمواج.

ولفت محمد يوسف، وهو مالك لإحدى البواخر التي تنقل سوريين إلى مرسين، أن "5% من المسافرين لبنانيون أما 95% فهم سوريون"، موضحاً أن الباخرة مجهّزة بكافتيريا وغرف نوم ومكان للأطفال، وشدد على أن جميع وسائل السلامة مؤمنة في الرحلة.

ويأتي السوريون إلى مرفأ طرابلس عبر حافلات تنقلهم من داخل الأراضي السورية، حيث ترسل وكالات السفر أسماءهم للأمن العام اللبناني قبل يومين من موعد سفرهم، فيُمنحوا تأشيرة عبور لـ24 ساعة. ولا يمكن السفر على هذه الرحلات سوى بجواز سفر سوري، أي أن اللاجئين السوريين الموجودين في لبنان ويملكون هوية أو وثيقة صادرة من المفوضية العليا للاجئين لا يمكنهم السفر إلى تركيا.

الرحلة من تركيا إلى أوروبا تحمل مخاطر الموت لكن اللاجئين يأملون أن تحمل أمواج المتوسط أحلامهم إلى بر أمان بعد أن غرقت آمالهم في بلد قد لا يعودون إليه أبداً.

عامر بكّور، وهو لاجئ سوري يعمل بحاراً ولا يمكنه العودة إلى سوريا بسبب تهربّه من الخدمة العسكرية، أكد لنا أنه سيحاول المستحيل للوصول إلى أوروبا. وعندما سألناه عن سلامته الشخصية خلال عملية التهريب التي يموت فيها المئات، قال: "نحن نُعتبر أمواتاً في سوريا. سواء كنا في البر أو في البحر، الموت واحد.. يجب أن نتحدى الموت كي نعيش".

ساعات الانتظار في مرفأ طرابلس طويلة جداً، ولا تنطلق الباخرة إلا بعد وصول جميع الركاب واستكمال إجراءات المغادرة لدى الأمن العام، وأحيانا ينتظر هؤلاء عشرات الساعات بسبب تأخر وصول الحافلات الآتية عبر المعابر الحدودية بين لبنان وسوريا، كالعريضة والعبودية، لتبدأ بعدها المغامرة، أو ربما المخاطرة، لهؤلاء الذين يسطّرون بسفرهم هذا أكبر عملية نزوح وتهجير في التاريخ الحديث.