.
.
.
.

لماذا لاقت صورة "عمران" هذا التفاعل العالمي؟

نشر في: آخر تحديث:

يتفاجأ البعض لنجاح صورة واحدة لحدث ليس بجديد مثل القصف الجوي على مدينة حلب وعلى عدد من المدن السورية الذي يخلف مئات الضحايا بين قتلى وجرحى، بينهم أطفال. فيوثق إعلاميو حلب وإدلب ودوما وجوبر وناشطين من هذه المدن ومن غيرها هذه الغارات من عدد من السنوات الآن وقد فاز بعضهم بعدد من الجوائز العالمية واكتسب خبرة كبيرة في مجال تغطية الحروب.

ومع هذا تأتي صورة واحدة دون غيرها لتجتاح صفحات فيسبوك وتويتر وشاشات التلفزيون والمواقع الإخبارية وأجهزة الهاتف الذكية.

نذكر أن في العام الماضي في نفس هذه الفترة مع نهاية آب/أغسطس أخذت صورة الطفل السوري إيلان، الذي قتل على شاطئ تركي عند محاولته العبور إلى أوروبا مع أسرته، مكانة عالمية وشهرة غير مسبوقة على الرغم من وجود مئات الصور لأطفال غرقوا ووجدت جثثهم على شواطئ تركيا أو اليونان أو مالطا ‫.‬

واليوم نرى نفس هذه الظاهرة مع الطفل عمران الذي نجا من غارة على حي القاطرجي في حلب‫.، وأصبح في غضون ساعات رمز أو وجه لأطفال سوريا ولعذابهم ومأساتهم التي تبدو وكأن لا نهاية لها.

وعندما ننظر للصورة في محاولة لفهم هذا التفاعل العالمي، نرى أنها عادية جداً، ليس لها أي أبعاد مختلفة وليس لها كتابة أو تكوين غير عاديين ‫.‬ لكن "بطل" الصورة إذا أمكننا استعمال هذا التعبير الطفل عمران هو الذي يعطي الصورة كل أهميتها ‫.‬ فوضعيته في سيارة إسعاف واللون البرتقالي الذي يحيط به من معدات للإسعافات الأولية، إضافة إلى لون الكرسي الذي وضعه عليه المسعف بينما ذهب للاهتمام بأعضاء آخرين من أسرته، هذا اللون غير العادي يعطي للصورة طابع سوريالي. يزيد عليه وضعية عمران وكون جسده الصغير مغطى بالغبار من جراء دمار المبنى الذي كان يسكن فيه، إضافة إلى الدم على وجهه الصغير الذي غطاه الشعر الكثيف‫.‬

كما نرى في الصورة الفوتوغرافية وأيضاً في المقطع التلفزيوني الذي تم تصويره في نفس الوقت، الطمأنينة وطبعاً نتيجة الصدمة التي تعرض إليها الطفل الصغير غير أنه لا يبكي ولا يصرخ بل يكتفي بالنظر إلى مصوريه وبمسح وجهه بحركة جميلة هادئة.‬ ولا شك أن الكثير يرى في هذه الصورة وهذا المشهد ماذا حل بسوريا الهادئة الساكنة الجميلة التي باتت كلها رمادا ودماء، لكنها بكل هدوء تمسح الدماء عنها ولا تستسلم للجنون والهستيريا.‬ كذلك يرى الكثيرون من الآباء والأمهات أطفالهم في هكذا صورة ويسألون أنفسهم "ماذا لو كان طفلي في هذا المكان أو في هذه الوضعية". وتبقى هذه الصورة مع كل قسوتها "إيجابية". فالطفل لم يمت مع أننا عندما ننظر إليه لا يمكن إلا أن نسأل أنفسنا "هو لم يمت ولكن أي حياة تنتظره في حلب اليوم؟ وماذا سيكون مستقبل عمران والآلاف من الأطفال في عمره".

وما يصدمنا أيضاً في هذه الصورة، إلى جانب الطمأنينة، هو انعدام الفعل لدى عمران . فهو ظهر في وضعيته كشخص "لا حيلة" له ولا سلطة. يبدو كجميعنا عندما ننظر إلى الوضع في سوريا فلا نعرف ما ينبغي أن نفعل أو إذا علينا أن نتصرف ونتدخل أو لا. ونضيع في الخطابات والكلمات والاقتراحات المتضاربة والروايات الكاذبة.‬ هنا يأتي أيضاً سر نجاح هذه الصورة فهي لا تكذب ولا تشوه الحقيقة التي تأتي بحد ذاتها لتصفعنا وتذكرنا أن #سوريا ليست تنظيم #داعش وسوريا ليست بشار الأسد ونظامه إن سوريا هي عمران وعلينا حمايته ودعمه وأن مكانه ليس في سيارة إسعاف عليه الغبار والدم بل في المدارس ومدن الملاهي وفي اللهو واللعب والتعلم والسعادة.‬