.
.
.
.

داريّا فارغة والأسد يستعدّ لالتقاط السيلفي!

بعدما فرّغها من أهلها بتهجير قسري بغية إحداث تغييرات ديموغرافية وبأكثر من منطقة

نشر في: آخر تحديث:

في مأساة جديدة تصيب بنية المجتمع السوري، في العمق، تم تهجير أهل مدينة داريا التابعة لريف دمشق، إلى مكان آخر، تحت مسمع ومرأى العالم. والناظر إلى ملامح وجوه المهجَّرين قسرياً من المدينة، يلمح مدى مأساة وألم وفاجعة طرد السوريين من بيوتهم والأرض التي ولدوا فيها وأكلوا من خيرها وكبروا عليها ثم قاتلوا دفاعا عنها، ليتم استئصالهم، بالجملة، في جريمة جماعية بحق أصحاب الأرض الأصليين، سمّيت اتفاقاً ما بين النظام والمعارضين في المدينة، أُخرجوا وطردوا من مدينتهم قسراً بموجبه.

ومع أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها نظام الأسد، باقتلاع تجمعات بشرية كاملة من مكان إلى مكان، في سوريا، إلا أن لداريا المحاذية للعاصمة السورية دمشق، حساسية خاصة، فهي كانت المكان الذي أحكم الطوق على الأسد قرب مكان إقامته في دمشق، ومنها ولدت آمال السوريين بالزحف إلى العاصمة وإسقاط نظام الأسد.

والمشاهد التي بثت لتهجير أهالي داريا واقتلاعهم من الأرض التي ولدوا عليها، عكست شيئا لا يقل خطورة عن التهجير ذاته، وهو تحوّل أنصار الأسد، في رد فعلهم، إلى "محتلّين" حقيقيين للمنطقة، خصوصا بعد ردود أفعالهم الاحتفالية التي وصلت حد القول للمهجّرين: أنتم راحلون ونحن هنا!

هذه "الأنتم" وتلك "النحن" هي المنجز الطبيعي لسياسة الأسد التي تعاملت مع معارضيه على أنهم "أجانب" ومع أنصاره على أنهم "أبناء البلد".

"أنتم" أصبحت المعيار المنهجي لفهم التهجير القسري الذي يقوم به الأسد من حمص إلى داريا ومناطق أخرى يضع عينه عليها. فـ"أنتم" التي تعني ما هو غير الـ"نحن" أي لستم منّا، بالضبط، ستتحول غطاء لعمليات التغيير الديموغرافي التي يعمل عليها الأسد وإيرانيّوه وباقي مليشياته الطائفية.

التغيير الديموغرافي الذي يسهّل للأسد خلق بيئة خالية من الآخر، والذي هو صاحب الأرض، يتسارع بخطى حثيثة لتحويل أمكنة قوات الأسد وأنصاره إلى أمكنة "صافية" و"نقية" لا تشوبها شائبة من أبناء البلد، ويحل مكانهم إما "لبوات الأسد" ومن يطلق عليهن اسم "قنّاصات الحرس الجمهوري" أو يقدم تلك الأرض مكافأة لأنصاره لتتحول بيئة حاضنة متنقّلة من الساحل السوري مسقط رأس النظام، إلى داريا التي فرِّغت من أهلها.

صورة بعض المهجّرين بالإكراه، والمقتلعين من ديارهم والتي، للمصادفة المأساوية، اسمها "داريا" تعكس حجم مأساة تهجم بوحشيتها على السوري "الشامي" الذي تتم غربلته الآن كي يصبح مطابقا للمواصفات الإيرانية-الأسدية. وإن عجز ذلك "الشامي" من التطابق مع تلك المواصفات، فيقتلع ويهجّر في وطنه، وهو القادم أصلا من مكان اسمه "داريا" التي تتضمن معنى الدار والبيت والسكنى.

مفارقة تقطع أوردة الدم في جسد الناظر إلى وجوه المهجّرين قسرا، من داريا، عبر حافلات أحيطت بأنصار الأسد الذين عبّروا بردود أفعالهم المصورة، عن مدى إحساسهم بـ"أجنبية" الآخر الذي هو، في الواقع، صاحب الأرض الأصلي.

أما أحد المهجّرين بالإكراه، من داريا، والذي يظهر في أحد الفيديوهات التي بثها إعلام الأسد، ثم تناقلها أنصاره وحلفاؤه، فيظهر في وجهه كل علامات الإحساس بالمأساة والتوجع على نوعية ما من "الغدر" الكوني الذي جعله خارج بيته.

هذا المواطن الداراني –من داريا كما اعتمدها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان- نظر إلى أحد الذين تعرضوا له بحركة مهينة بيده. الداراني، هذا، نظر فجأة إلى حركة اليد التي لوحت من أنصار الأسد قاصدة إهانته، نظر الى الحركة بسرعة شديدة، ظنّ أن أحدا ما سيضرب الحافلة التي تقله بحجر، أو أن هناك من سيطلق النار. كان مرتبكاً ارتباك جندي مقاتل وضِع فجأة بين خصومه وقيل له: إجلس في هذا الباص ولن تتعرض لأذى. لكن الأذى كان مهولا، حركة باليد اختصرت وحشية نظام كامل لا يتورع حتى من إهانة مهجّر اقتلع من أرضه بعد أن أعطاه الأمان، ثم أرسل الى مراكز إيواء.

رمش الأسد الذي لايرف عند تهجير سوريين واقتلاعهم من أرضهم ونقلهم مكرهين إلى أمكنة أخرى، سيكون طبيعيا لطالما كان المهجّرون مجرد "أنتم" ولطالما كان أنصار الأسد هم "النحن". ثنائية متطرفة قاتلة تعيد إلى الأذهان كل عمليات التغيير الديموغرافي التي طالت أي مكان في العالم بدءا من الحرب العالمية الأولى.

الأسد الذي يريد تأمين شارع لكي يستطيع أن يمشي فيه ويلتقط الصورة، بأمان، هو مضطر لتهجير من في هذا الشارع واقتلاعهم، فهم لا يحبونه ولا يريدونه رئيسا عليهم، وبذلك لن يستطيع السير فيه، فاقتلعهم ووضع مكانهم أنصارَه، ولسوف يذهب إلى هناك لالتقاط صورة توحي "بانتصاره" على وطنه وبإلحاق الهزيمة بأصحاب الأرض الأصليين.

وعلى الرغم من أن صورة الأسد التي سيلتقطها من داريا وغير داريا، ستكون حقيقية غير خاضعة لعمليات فوتوشوبية معينة، إلا أنها ستظل في كل الأحوال، صورة مزوّرة، ذلك أنها التقطت له، ليس رغماً عن أهل المكان الأصليين، فقط، بل رغماً عن المكان نفسه، حيث اضطر لإبدال سكانه بغيرهم، فقط ليستطيع التقاط صورة لا تستطيع في كل الأحوال أن تظهِر عدد قتلاه وحجم تدميره لا للمدينة ذاتها فحسب، بل لجميع المدن السورية.