.
.
.
.

روسيا تخرج الأسد من "جنيف" لتطيل عمره في "الأستانة"!

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي لا يزال فيه الغموض يسيطر على ما عرف بمفاوضات "الأستانة" التي دعت إليها روسيا وإيران، خرج تصريح من معارض سوري قريب من موسكو، يقول فيه إن مؤتمر "الأستانة" هو "تحويلة لفكّ استعصاء جنيف". دون أن يكشف النقطة التي تمثل كما قال، استعصاء.

وقال قدري جميل رئيس "منصة موسكو" المعارضة، إنه بمجرد الانتهاء من مؤتمر الأستانة، ستتم العودة، مجددا، إلى جنيف. دون أن يرد في كلامه، ماهية ما سيحصل في الأستانة، والتي ستؤدي للعودة مجددا، إلى مفاوضات جنيف.

وفي عودة منه إلى مؤتمر "الأستانة" أوضح قدري جميل، أنه سيتم الذهاب إلى مثل ذلك المؤتمر، لأن "مسار جنيف استعصى" مضيفاً: "وبما أنه لا يمكن القفز فوق جنيف وإلغاؤها، كان ضروريا وجود طريقة لتجاوز هذا الاستعصاء". معيداً تكرار ما قاله، بأن "الأستانة" هي بمثابة المكان الذي سيتم فيه "فكّ" ما سمّاه "الاستعصاء" ومن ثم العودة، مجدداً، إلى جنيف، كما قال في تصريحات صحافية، أمس السبت.
لكن، ما هو الاستعصاء الذي لمّح به "رئيس منصة موسكو" ولم يعرِّفه؟

تتحدث الأنباء عن أن الروس والإيرانيين، يسعون من خلال "الأستانة" للالتفاف على بنود صلبة غبر قابلة للتعديل، وردت في بيان جنيف 2012. تقف على رأسها البنود التي أشارت الى حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، يمكن أن تضمّ في جنباتها أفرادا تابعين لنظام الأسد والمعارضة، وأطرافاً أخرى لم تحدد هويتها.

إلا أن الجانب الأكثر بروزاً، والذي يلي بند تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة، هو الاشتراط الذي أورده "جنيف"1 بأن أسماء المشتركين في الحكومة كاملة الصلاحيات، يجب أن تحظى بقبول متبادل.

القبول المتبادل، والذي بدا للوهلة الأولى أنه بند في صالح نظام الأسد، إلا أنه في العمق، هو بند يعمل على تمتين موقف المعارضة السورية من خلال إشرافها الكامل وقبولها، أو عدم قبولها، لأي اسم يمكن طرحه على أنه ممثل لنظام الأسد، أو لحكومته. وبهذا، يكون للمعارضة السورية القدرة المادية المباشرة على تأسيس هيئة حكم انتقالي، أو حكومة انتقالية، بمواصفات تتدخل هي في تكوينها.

وإن كان نظام الأسد يتمتع بنفس الحق، بقبول أو عدم قبول الأسماء التي ستمثل المعارضة في هيئة الحكم الانتقالي أو الحكومة الانتقالية، فإن هذا لا يمنحه ميزة قوة إضافية، لطالما أن النظام في الأصل، مسيطر على تقاليد الحكم، بالأساس. كما أنه ليس في صالحه "التعطيل" المتواصل أو وضع "فيتوات" دائمة على رموز المعارضة السورية التي ستنخرط في هيئة الحكم الانتقالي أو الحكومة الانتقالية، لما تتمتع به المعارضة السورية من وفرة بالوجوه السياسية والشخصيات الفاعلة، على المستويين السياسي والعلاقات الدولية.

وبالتالي، شرط القبول المتبادل، يمكن احتسابه، عمليا، أنه سيضاف إلى رصيد المعارضة السورية، وفي الوقت ذاته، لا يزيد من فرص النظام على التعطيل. لأنه هو الذي يقع تحت الرقابة الدولية، وهو المقصود تغييره بعملية الانتقال السياسي، ولهذا لا يمكن لشرط القبول المتبادل أن يتحول إلى أداة فعالة بيده، بقدر ما هو بند يمكّن المعارضة السورية من الإشراف على هيئة الحكم الانتقالي أو الحكومة الانتقالية.

وتأتي إشارة "رئيس منصة موسكو" حول الاستعصاء في جنيف، وأنه في حال "فكّ الاستعصاء" ستتم العودة إليه بعد "الأستانة" لتعطي التفسير الممكن لما يمكن أن يشمله "الأستانة" من ضرورات روسية وإيرانية، للعمل على تخفيف آثار بيان جنيف 2012 على مجمل نظام الأسد، بقصد إطالة عمره في الحكم. والاستعصاء الذي أشارت إليه "منصة موسكو" هو بند الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات، والتي تفترض قبولا متبادلا بين المتفاوضين لاختيار الأسماء. هنا يبدو "الاستعصاء" بحق نظام الأسد، لأنه هو "المتضرر" فعليا من منح الصلاحيات الكاملة للحكم الانتقالي، وبالتوافق.

لكن ما الذي يمكن أن يقدمه "الأستانة" لتغيير ملامح جنيف 2012؟ خصوصا أن الهيئة السورية العليا للتفاوض، كانت قدّمت وثيقة للحل في سوريا، في سبتمبر الماضي، مستلهمة من جنيف 2012، وتفترض مغادرة الأسد في مرحلتها الثانية.

تسعى روسيا إلى الالتفاف على بند هيئة الحكم الانتقالي، ليس من خلال تغيير البند نفسه، بل من خلال خلق آليات سياسية تنتهي بتطبيقات على أرض الواقع، تفرِّغ البند من مضمونه، فعلياً. وهذا هو سبب إجرائها مباحثات سياسية جانبية، أفضت إلى مؤتمر "الأستانة" الذي لا يزال قيد التحضير وتوجيه الدعوات. وفي هذا الاتجاه صرّح نائب وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد، أمس السبت، أن ما سمّاه "الحوار السوري السوري" يمكن أن يتم في أي وقت، لكن مع من أطلق عليهم صفة "قوى" لها "دور على أرض الواقع".

يسعى "الأستانة" إلى الإبقاء على بنود جنيف، كما هي، باعتبارها قرارات دولة غير قابلة للتعديل إلا بتوافق دولي، إنما بتغيير خريطة اللاعبين الرئيسيين المؤثرين في الوضع السوري، ومن خلال التلاعب بخريطة القوى السياسية السورية المعارضة، للخروج من الأستانة بتمثيل واهنٍ يعجز مستقبلا، وبعد العودة إلى جنيف، كما قالت منصة موسكو، عن استعمال حقوقه بالهيئة الانتقالية أو لحكومة الانتقالية، كما أنه يعجز عن فرض شروطه لطالما قبل بأن يكون ممثلا معزولا عن إطارات المعارضة السورية وعلى رأسها الهيئة العليا للمفاوضات السورية، الأخيرة التي تمثل، عمليا، كتلة المعارضة السورية الصلبة، وخصوصا أنها مشكّلة من جميع أطياف المجتمع السياسي السوري المعارض.

هنا، يلوّح النظام السوري بأن "الأستانة" لن يتعامل مع المعارضة السورية التي تحظى بدعم عربي. كما ورد اليوم في صحيفة "الوطن" التابعة لنظام الأسد. وأضاف المصدر السابق، أن الوفود التي ستحضر اجتماع الأستانة ستكون من المعارضة القريبة من روسيا ثم تركيا. ويحمل التصريح السابق باستبعاد المعارضة السورية المدعومة عربياً، مدلولات "الأستانة" الذي سيسعى إلى تجاوز إطار جنيف 2012، ليس بتغيير بنوده، بل بصناعة واجهة سياسية رخوة وطيّعة لا تمتلك المقدرة على الاستثمار الأقصى ببنوده، والتي تقف على رأسها الصلاحيات الكاملة لهيئة الحكم الانتقالي أو الحكومة الانتقالية، والتي ستفضي حكماً إلى إنهاء نظام الأسد.