.
.
.
.

كواليس المفاوضات على المنطقة الآمنة في سوريا وتفاصيل الاتفاق

نشر في: آخر تحديث:

بدأت وحدات حماية الشعب الكردية تفكيك مراكز ونقل أسلحة وعناصر من شريط حدودي داخل سوريا محاذ للحدود التركية.

هذا التطبيق هو ثمرة لعمل دبلوماسي طويل شهد خلافات كبيرة بين الأميركيين والأتراك وبين الأميركيين أنفسهم وبين أجنحة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خصوصاً أن التوصل إلى اتفاق أميركي-تركي على إنشاء "منطقة آمنة" شمال سوريا ما زال من أسرار الدولة الأميركية التي لم يتمّ الإفصاح عنها بالتفاصيل.

خلافات الخارجية والبنتاغون

أكدت مصادر "العربية.نت" أن وزارة الخارجية الأميركية كانت على خلاف مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) حول كيفية التعاطي مع هذا الملف منذ العام 2017، فوزارة الخارجية كانت وما زالت تنظر إلى تركيا على أنها حليف في حلف شمال الأطلسي ويجب التمسّك بهذا الحليف إلى أقصى حدّ.

لكن البنتاغون كان يتصرّف خلال السنوات الماضية بخشية من تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان خصوصاً أن الرئيس التركي اتخذ خطوات كثيرة تسببت بغضب العسكريين والمدنيين في مبنى وزارة الدفاع الأميركية، وأحد هذه التصرفات أنه اتهم العسكريين الأميركيين بالتورط في محاولة الانقلاب ضده منذ ثلاث سنوات، ثم بدأ عملية تقارب عسكرية مع روسيا.

الأسوأ من كل هذا أنه خلال مرحلة محاربة داعش وقفت تركيا برأي العسكريين الأميركيين موقفاً سيئاً تراوح بين تسهيل دخول وخروج عناصر داعش، وصولاً إلى التلكؤ في ضبط الحدود التركية السورية.

جاء جيفري!

بدأت الهوّة بين وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون تتسع أواخر العام الماضي، عندما عيّن الرئيس الأميركي جيمس جيفري مندوباً خاصاً لشؤون سوريا، وبعدها مندوباً خاصاً لسوريا والتحالف ضد داعش، وبحسب المشرفين على التعيين في البيت الأبيض كان القصد هو إيجاد شخص يستطيع أن يتفاهم مع الرئيس التركي.

السفير جيفري كان سفيراً في أنقرة ويعرف الرئيس أردوغان ولديه خط مفتوح مع الرئاسة التركية، ويقولون في البيت الأبيض إنه يستطيع أن يرفع السماعة ويتحدّث إلى الرئيس التركي بدون موعد مسبق.

وصل الأميركيون إلى لحظات عصيبة في التعامل مع الأوضاع في سوريا خلال الأشهر الماضية، أولها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الأميركيين سيتركون سوريا، ويعتبر كثيرون في الإدارة بحسب مصادر "العربية.نت"، أن السبب يعود إلى تمهيد السفير جيمس جيفري لاتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي وأردوغان أعلن بعده ترمب أنه سيأمر بخروج القوات.

قرارات ترمب

لكن الرئيس الأميركي تراجع بعد تدخل أكثر من وزير وقادة الأمن والاستخبارات، وبدت الإدارة الأميركية عالقة بين تيارات وزارة الخارجية والبنتاغون، ومطالب تركيا وضرورة الحرص على "قوات سوريا الديمقراطية" وعصبها الأساسي من الأكراد السوريين ومن قوات الحماية الشعبية.

الأتراك اعتبروا خلال الأشهر الماضية أن بقاء هذه القوات الكردية على حدودهم وتشكيل جيب كردي داخل سوريا تهديداً مباشراً لهم، وقررت أنقرة استعمال القوة المسلحة لضرب هذه القوات الكردية داخل سوريا.

مفاوضات بالهاتف!

وجد الأميركيون أنفسهم خلال الأسبوع الأخير من شهر يوليو/تموز الماضي في مأزق حقيقي: لو هاجم الأتراك شمال شرقي سوريا وضربوا الأكراد، سيضطر الأميركيون لإطلاق النار على جنود دولة عضو في حلف شمال الأطلسي.

أما لو ترك الأميركيون الأتراك ليقتلوا الأكراد السوريين، لتركوا التنظيم الأفضل في الميدان ليصبح ضحية هجوم تركي أرعن بعدما ضحّى الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية بمئات الجنود في قتال داعش.

تروي مصادر "العربية.نت" أن السفير جيمس جيفري سافر إلى أنقرة فيما توجه مساعده وليم روبوك إلى شمال سوريا، وبدأ الأميركيون التفاوض مع كل طرف ونقل تفاصيل المفاوضات لبعضهما ومنهما إلى الطرف الآخر؛ جيفري يتحدّث إلى الأتراك ويخبر روبوك، وروبوك ينقل الصورة إلى الأكراد ويأخذ أجوبة وينقلها إلى جيفري وجيفري ينقلها إلى الأتراك.

الاتفاق

توصّل المفاوضان الأميركيان مع الطرفين إلى معادلة تقوم على وقف الهجوم التركي مقابل إنشاء منطقة آمنة بعمق 5 كيلومترات وينسحب عناصر قوات الحماية الشعبية، أي التنظيم الكردي من هذه المنطقة وتبقى عناصر قوات سوريا الديمقراطية، كما وافق الأطراف على وجود قوات تركية في هذه المنطقة إلى جانب القوات الأميركية وقوات وسوريا الديمقراطية بدون المنتمين إلى تنظيم كردي.

إضافةً إلى ذلك، وافق الأطراف على سحب كل الأسلحة الثقيلة من منطقة بعمق 9 كيلومترات إضافية وبذلك تصبح المنطقة موضع التوافق بعمق 14 كيلومتراً.

تفاصيل متفجّرة!

بعض التفاصيل في هذه القضية يبقى مهماً حيث إن الأطراف تركوا هوامش من الخلافات بينهم، لكنهم يعتمدون الغموض أقلّه في الوقت الحالي، فالأتراك كانوا يصرّون على الدخول إلى شمال شرقي سوريا بقوات المشاة، والآن يتمّ التفاوض على أن تكون لديهم نقاط مراقبة غير دائمة في "المنطقة الآمنة"، كما يسعى الأميركيون والأكراد إلى إقناع الأتراك بتسيير دوريات في هذه المنطقة بالتنسيق مع القوات الأميركية بدلاً من إبقاء قوات داخل الحدود.

هذه الصيغة تعطي الأتراك ما يريدونه أصلاً وهو إبعاد الأكراد عن حدودهم، ويسعى الأميركيون، بحسب مصادر "العربية.نت" إلى إقناع الأتراك بذلك لأن هذه الصيغة تعفي الأتراك من وجود ليسوا مضطرين له، ويعفون أنفسهم والأميركيين من الاحتكاك مع سكان هذه المنطقة ومع قوات سوريا الديمقراطية ومع الأكراد بشكل خاص.

ليست تفاصيل هذه القضايا محسومة ويفهم الأميركيون هذه التعقيدات، وكان الرائد شون روبرتسون، المتحدث باسم البنتاغون لشؤون هذه المنطقة قد أوضح في بيان لقناة "العربية" بعد إعلان الاتفاق أنه سيتمّ "تطبيق هذه الآلية على مراحل".

وما يعمل عليه الأميركيون والأتراك الآن هو إقامة وتشغيل مركز عملية مشترك في تركيا لمتابعة التخطيط والتنفيذ.

من جهته، يعتبر نيكولاس هيراس الخبير في شؤون هذه المنطقة أن "العائق الأكبر أمام تطبيق الآلية الأمنية في شمال شرقي سوريا هو أن تركيا وقوات سوريا الديمقراطية لديهما فكرة مختلفة عن عمل هذه الآلية، والولايات المتحدة تريد إرضاء الطرفين".

ويوضح هيراس الذي يعمل الآن خبيراً في "مركز الأمن الأميركي الجديد" أن تركيا "تريد قواعد لقواتها في شمال شرقي سوريا وأن تكون قادرة على تسيير دوريات بدون مشاركة القوات الأميركية وأيضاً إطلاق طائرات استطلاع". ويتابع في تصريح لـ"العربية.نت" أن قوات سوريا الديمقراطية لا تريد ذلك وأن الطرفين يتمسكان بموقفهما ويريدان من الأميركيين حلّ المشكلة والضغط على الطرف الآخر.